المصحف الكتاب الاسلامي

 /////////

 

تاريخ الاسلام للذهبي

تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام 

الثلاثاء، 5 أبريل 2022

شرح الموقظة في علم المصطلح للشيخ عبدالله السعد

 

شرح الموقظة في علم المصطلح للشيخ عبدالله السعد

وهو عبارة عن محاضرات قام بتفريغها الأخ أبو المهاجر المصري من موقع طريق الإسلام

وأضاف إليها من بعض المحاضرات المسموعة ، كشرح الحويني حفظه الله لنفس الكتاب ، وسلسلة مناهج المحدثين للشيخ الحميد حفظه الله ، وسلسلة شروح الكتب الستة للشيخ الخضير حفظه الله ، ومحاضرات الشيخ طارق بن عوض الله حفظه الله لألفية السيوطي ، وبعض المراجع المتوفرة عنده ، والتي أشار إليها عند النقل منها

 

علم المصطلح : هو عبارة عن قواعد يعرف بها حال الراوي (أي السند) والمروي (أي المتن) .

وروى الخطيب   في الكفاية من طريق محمد بن يسار  عن قتادة  : (لا يحمل هذا الخبر عن طالح عن صالح أو صالح عن طالح ، وإنما هو صالح عن صالح) .

ونقل الخطيب  أيضا تعريف محمد بن يحيى الذهلي حيث قال  : لا يحتج بالخبر حتى يكون موصولا ، ولا يكون في اسناده مجروح أو مجهول وبمثله عرفه ابنه يحيى  .

وذكر الشافعي في كتابه الرسالة شروط الراوي الحجة وهي : أن يكون عدلا ، صادقا ، عاقلا لما يحدث به ، عالما بما يحيل المعاني لو حدث بالمعنى ، وأن يكون حافظا ، وألا يكون مدلسا وأن تكون هذه الشروط في كل رجال السند حتى الصحابي . وعلق البيهقي في مقدمة كتابه معرفة السنن والآثار : ما ذكره الشافعي  في تعريف الخبر المحتج به هو محل اتفاق أهل العلم (ويقصد  أهل الحديث) .

تعريف الحافظ الذهبي  : وهو المذكور في الموقظة ، حيث قال  : هو ما دَارَ على عَدْلً مُتْقِنٍ واتَّصَل سَنَدُه . فإن كان مُرسَلاً ففي الاحتجاج به اختلاف ، وزاد أهلُ الحديث : سلامتَهُ من الشذوذِ والعِلَّة . وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء  ، فإنَّ كثيراً من العِلَل يأبَوْنها فالمجُمْعُ على صِحَّتِه إذاً : المتصلُ السالمُ من الشذوذِ والعِلَّة ، وأنْ يكون رُواتُه ذوي ضَبْطٍ وعدالةٍ وعدمِ تدليس .

التعليق على تعريف الذهبي  :

 يشير الذهبي  في تعريفه ، إلى الخلاف الشهير بين المحدثين والفقهاء ، في مسألة اشتراط عدم الشذوذ والعلة ، فقد انعكس رأي أكثر الفقهاء والأصوليين وبعض أهل الحديث ، (كما يحكى ذلك عن الخطيب البغدادي ) ، بقبول زيادة الثقة مطلقا على تعريف الصحيح ، فلم يبق لمن قبل هذه الزيادة مطلقا ، حجة في اشتراط عدم الشذوذ والعلة ، وهذا ما أكد عليه الحافظ  ، حيث تعجب ممن قبل زيادة الثقة مطلقا ، ومع ذلك اشترط عدم الشذوذ ، فكيف يتأتى ذلك ؟ ، والجواب أنه لا سبيل إلى ذلك أبدا ، لأن قبول زيادة الثقة مطلقا يتضمن قبولها وإن خالف راويها الثقات ، وهذه هي الزيادة الشاذة التي يلزم أصحاب هذا الرأي قبولها ، رغم شذوذها ، ومع ذلك نراهم يشترطون عدم الشذوذ ، فكيف يمكن الجمع بين هذين النقيضين ؟!! 

تعريف ابن خزيمة  للخبر الصحيح (وقد ذكره في مقدمة كتابه) : هو نقل العدل عن العدل بلا قطع في الإسناد ولا جرح في رواة الأخبار .

وقد قسم الخليلي  في كتابه الذي ألفه على الأمصار الحديث الصحيح إلى ثلاثة أقسام :

الصحيح المتفق على صحته : وقد عرفه الخليلي  بذكر مثال له ، وهو ما يرويه ابن أبي ذئب  أو ابن جريج  عن نافع   عن ابن عمر رضي الله عنهما ، ويكون الإسناد إلى ابن أبي ذئب أو ابن جريج  من الثقات الحفاظ .

الصحيح المعلول : وهو أن يروى الحديث مرسلا من جماعة ويسنده واحد ، فهذا يكون صحيحا ولا يضره من أرسله .

المختلف فيه .

وقسم الحاكم  في المدخل إلى الإكليل وفي معرفة علوم الحديث الحديث الصحيح إلى عشرة أقسام : خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها وهي :

أولا : المتفق عليها :

اختيار البخاري ومسلم  وهو الدرجة الأولى من الصحيح ، وهو أن لا يذكر إلا ما رواه صحابي مشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم له راويان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه من أتباع الأتباع الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط ثم كذلك ، وقال  : والأحاديث المروية بهذه الشريطة لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث .

مثل الأول إلا أن راويه من الصحابة ليس له إلا راو واحد كحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه في الوقوف بعرفة ، حيث تفرد به عنه عامر الشعبي  . وجدير بالذكر أن عروة بن مضرس رضي الله عنه لم يرو عنه إلا الشعبي  (الباعث الحثيث ص290 ، طبعة مكتبة السنة) .

مثل الأول إلا أن راويه من التابعين ليس له إلا راو واحد كعبد الرحمن بن فروخ ومحمد بن حنين  ، حيث لم يرو عنهما إلا عمرو بن دينار  .

الأحاديث الأفراد الغرائب التي رواها الثقات العدول ، كزيادة أيمن بن نابل  عن أبي الزبير  عن جابر رضي الله عنه ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفتتح التحيات بالبسملة ، وقد عدها الحاكم  من الصحيح المتفق عليه رغم أن الحفاظ أنكروها على أيمن  .

أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم إلا عنهم كصحيفة عمرو بن شعيب  عن أبيه عن جده ، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، وإياس بن معاوية عن أبيه عن جده وأجدادهم صحابيون وأحفادهم ثقات . وقد رجح الشيخ حفظه الله سلسلة بهز  (وقد علق البخاري  منها واحدا وأخرج أصحاب السنن منها 18حديثا) على سلسلة عمرو بن شعيب  رغم أنها أشهر وقد ذكر الشيخ حفظه الله ملاحظتين حول هاتين السلسلتين :

أن سلسلة بهز  لا يكاد يعرف منها حديث منكر والشيخ حفظه الله يقول بأنه لا يعرف في أحاديثها حديثا منكرا .

أن الحاكم  عد سلسلة عمرو بن شعيب  من الصحيح المتفق عليه رغم وجود الخلاف في ذلك ، وإن كان جمهور أهل العلم على قبولها ، واعتبارها من الحديث الحسن ، وقد وجد فيها ما استنكره الحفاظ كحديث أبي موسى بن أبي عائشة في الوضوء ثلاثا وفيه : (فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وأساء وظلم) فقد أنكر مسلم  زيادة (نقص) .

 

ثم ذكر الحاكم  الأنواع المختلف فيها وهي المرسل (فبعض أهل العلم يحتج به كمالك وأبي حنيفة  وبعضهم لا يحتج به) ، وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا سماعا ، وما أسنده ثقة وأرسله جماعة من الثقات ، وروايات الثقات غير الحفاظ العارفين ، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين .

 

تعريف ابن الصلاح  :     

رواية الثقة عن مثله من أول السند إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة ، وهذا التعريف يوافق ما اشترطه المحدثون من انتفاء العلة والشذوذ .

وممن اشترط العدد في رواة الصحيح أبو المعالي الجويني  حيث ذكر أن الخبر لا يكون صحيحا إلا إذا روا اثنان عن اثنين ، وكذا اشترط العدد بعض المبتدعة مثل إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي (ابن المحدث المشهور إسماعيل بن علية  ) ، حيث اشترط الإثنين وكذا الجبائي من المعتزلة الذي اشترط الراويين أو أن يعضد الخبر بظاهر القرآن أو ظاهر خبر آحاد آخر أو يكون معناه منتشرا بين الصحابة ، واشترط الجاحظ الأربعة .

 

الخبر الثابت : الخبر الثابت يشمل الصحيح والحسن ، والخبر الثابت هو الخبر المقبول ، وعلى هذا فمن الضروري أن يستجمع الخبر ، على الأقل أدنى شروط الصحة ، ليحكم بقبوله ، خلاف السيوطي  الذي ادعى في شرحه على ألفيته ، المسمى بـ (البحر الذي زخر) ، أن الحديث المقبول هو : ما تلقاه العلماء بالقبول ، وإن لم يكن له إسناد صحيح ، أو وافق آية من القرآن ، أو بعض أصول الشريعة ، أو اشتهر عند أئمة الحديث من غير نكير منهم ، ويعلق الشيخ عمرو عبد المنعم حفظه الله في تعليقه على شرح النخبة ، على كلام السيوطي  بقوله : هذا النوع من القبول لا يعد بأي حال من الأحوال تصحيحا للحديث ، وإنما هو إجماع من أهل العلم ، أو اتفاقهم ، على حكم شرعي لم يرد فيه نص صريح صحيح من السنة ، وإنما روي فيه خبر ، أو أخبار ضعيفة ، فوافق معناه ما اتفقوا عليه ، فصار العمل به لإجماعهم على ذات الأمر ، الذي وافقه معنى الخبر ، وليس لأنهم تلقوه بالقبول كما ادعى السيوطي  .

ومن ذلك : قول الشافعي  : وما قلت ، يعني في تنجيس الماء بحلول النجاسة فيه من أنه إذا تغير طعمه أو ريحه أو لونه ، يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله ، لكنه قول العامة لا أعلم بينهم خلافا .    

 

والصحيح يشمل :

ما اجتمعت فيه أعلى شروط الصحة (وهو يشمل غالب أحاديث الصحيحين) .

ما اجتمعت فيه أدنى درجات الصحة ، وهذا هو صنيع المتقدمين  ، الذين أدخلوا الحسن كقسم من الصحيح المقبول ، وإن كان تمكنه من شروط الصحة أدنى من تمكن الصحيح الذي اصطلح عليه بعد ذلك ، كما نبه إلى ذلك الشيخ طارق عوض الله حفظه الله ، وفي صحيح البخاري  أحاديث قليلة من هذا النوع ، حتى أن الترمذي  سئل البخاري  في العلل الكبير عن أحاديث خرجها في صحيحه وحكم  عليها الترمذي  بالحسن ، وفي صحيح مسلم أحاديث أكثر من هذا النوع (وهي وإن نزلت عن درجة الصحة العليا التي اشترطها الشيخان ، إلا أن هذا لا يقدح في صحتها وثبوتها ، وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان  من هذا النوع أحاديث أكثر وأكثر) ومن الأمثلة على هذا القسم ما جاء في صحيح البخاري  من طريق أبي بن العباس بن سهل بن سعد  عن أبيه عن جده : أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم فرس يسمى اللحيف وفي رواية اللخيف بالمعجمة  ، وأبي بن العباس  فيه بعض الضعف فحديثه لا يصل إلى درجة الصحة ولكنه مقبول ، فقد استجمع هذا الحديث أدنى شروط الصحة .

 

الخبر الثابت :

شروطه :

شروط المتن :

أن يكون المتن مستقيما ، بمعنى ألا يخالف نصا من القرآن أو السنة الثابتة ، وألا يخالف ما دل عليه العقل السليم ، وأن يشبه كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويؤكد الشيخ حفظه الله على اهتمام المتقدمين بمسألة استقامة المتن خلاف المتأخرين ومن أهم الأمثلة على ذلك :

حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : (إن هذه الأمة أمة مرحومة جعل عذابها في الدنيا) ، فقد قال البخاري  في التاريخ الكبير : أحاديث الشفاعة أكثر وأكبر ، وفيها تعذيب لعصاة الموحدين ، وهي أحاديث متواترة ، فخالف هذا الحديث أحاديث ثابتة متواترة وهذا بلا شك علة قادحة في متنه .

حديث : (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) ، فقد جاء هذا الحديث من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وهو طريق احتج به مسلم وروى صحيفة كاملة عن العلاء  عن أبيه ، ومع ذلك أعرض  عن هذا الحديث ولم يخرجه لأنه مخالف لأحاديث أقوى منه ، مثل ما أخرجه البخاري  من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة  : (لا تقدموا صيام رمضان بيوم أو يومين) ، وكذا ما جاء عن عائشة رضي الله عنها عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أكثر شعبان ، وقد زاد ابن رجب  الأمر وضوحا في لطائف المعارف فقال  : (اختلف العلماء في صحة هذا الحديث . ثم العمل به ، فأما تصحيحه فقد صححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر  ، (وإن كان الطحاوي  قد نقل الإتفاق على عدم العمل به) ، وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا : هو حديث منكر ، منهم عبد الرحمن بن مهدي ، والإمام أحمد ، وأبوزرعة الرازي والأثرم ) ، وقد جمع الشافعي  بين الدليلين  ، بأن حديث أبي هريرة رضي الله عنه في النهي عن الصيام بعد انتصاف شعبان ، هو في حق من لم تكن له عادة في الصيام قبل النصف الثاني من شعبان ، فلما انتصف شعبان أخذ في الصيام دون سابق عادة منه ، وأما الحديث الثاني فهو موجه إلى طائفة لها عادة الصيام قبل ذلك ، فهذه لا حرج في صيامها بعد انتصاف شعبان إلى ما قبر رمضان بيوم أو يومين .

حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها ، عند عبد الرزاق والحاكم  ، أنها حضرت زواج فاطمة رضي الله عنها فبصر بها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لها : (جئت في زواج ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟) فقالت : نعم ، فدعا لها صلى الله عليه وسلم ، فقد استنكر الذهبي  هذا الحديث لأن فاطمة رضي الله عنها تزوجت في السنة الثانية من الهجرة ، وكانت أسماء حينئذ في الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولم ترجع إلا في السنة السابعة من الهجرة ، واعتذر الذهبي  عن هذا بقوله : لعلها أختها سلمى .

ما جاء عند الطبراني  في الأوسط وأبي نعيم في الحلية من حديث حسان بن إبراهيم الكرماني عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث من يأتيه بماء من مطاهر المسلمين يرجو بركة أيديهم ، فهذا المتن معلول بمخالفته لما عليه جمهور أهل العلم  من عدم جواز التبرك بآثار أحد من البشر خلاف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكيف يتبرك صلى الله عليه وسلم بمن هو دونه ، ولم ينقل عن كبار الصحابة رضي الله عنهم خبر ثابت في تبركهم بآثاره صلى الله عليه وسلم مع مشروعية ذلك ، ولم يكن الصحابة رضي الله عنهم يتبركون ببعضهم البعض ونقل الشاطبي  الإجماع على ذلك ، على أن للحديث علة أخرى في اسناده ، وهي أنه جاء من طريق وكيع وخلاد بن يحيى وعبد الرزاق  عن عبد العزيز بن أبي رواد  عن محمد بن واسع معضلا (فقد خالف حسان بن إبراهيم الكرماني  جماعة من الثقات في وصل الحديث الذي أعضلوه) ، ولم يذكروا هذا اللفظ ، وإنما ذكروا لفظ : (مما وقعت به أيدي المسلمين) ، لما سأله الصحابة رضي الله عنهم عن أحب الوضوء إليه صلى الله عليه وسلم ، ويؤيد هذا حديث العباس رضي الله عنه لما أراد أن يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم بماء لم تتناوله أيدي الناس ليشرب منه فقال صلى الله عليه وسلم : (اسقوني مما تسقون منه الناس) ، ولا يفوتنا هنا أن نذكر كلام الشيخ حفظه الله في عبد العزيز بن أبي رواد  (والذي ذكره في موطن آخر) ، حيث قال عنه بأنه صدوق خفيف الضبط ، وقد أثنى أحمد  على دينه وصدقه ، وهو  قليل الرواية ، وكثير مما رواه لا يصح الإسناد فيه إليه وبعض أحاديثه صحيحة (5 تقريبا) ، وقد أخطأ  في (5 أو 6) ولا شك أن هذا الحديث منها .

حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم  أن الله عز وجل خلق التربة يوم السبت … الحديث ، فقد أنكر البخاري وابن المديني والبيهقي وشيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث لأن هذا المتن يدل على أن الله عز وجل خلق الأرض في ستة أيام ، وهذا يخالف النص القرآني الذي يدل على أن أن الله عز وجل خلق الأرض في يومين ، وذهبوا إلى أنه موقوف على كعب الأحبار رضي الله عنه ، بينما ذهب ابن الجوزي وابن الأنباري والألباني إلى صحة الحديث وأجابوا عن ذلك بأن الأيام تختلف ودليل ذلك في القرآن والسنة ، ففي القرآن ، قوله تعالى : (إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) ، وفي الحديث أن الناس يقفون في أرض المحشر خمسين ألف سنة قبل أن يأذن الله عز وجل ببدء الحساب ، ولمزيد من البيان يراجع : قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص124 ، طبعة دار عمار بتحقيق هاني الحاج) ، ومجموع الفتاوى (17/235) ، والتاريخ الكبير (1/413_414) ، وتفسير ابن كثير عند تفسير آية 54 من سورة الأعراف ، والآيات 9 : 12 من سورة فصلت .  

حديث شعبة  عن أبي فراس  عن الشعبي  عن أبي بردة  عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعا : (ثلاثة لا يقبل الله منهم دعاء ، وذكر منهم ورجل تحته إمرأة سيئة الخلق ولم يطلقها) ، فهذا الحديث معلول من جهتين :

من جهة متنه ، حيث أنه مخالف لحديث الشعبي  عن أبي بردة  عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعا : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ، رجل كانت عنده جارية …) الحديث ، وهذا هو اللفظ الصحيح .

من جهة إسناده ، حيث أنه معل بالوقف لأن أغلب أصحاب شعبة  رووه موقوفا .

حديث مخرمة   عن أبيه عن أبي بردة  عن أبي موسى رضي الله عنه في ساعة الإجابة يوم الجمعة وأنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة ، والصحيح أن هذا الحديث موقوف على أبي بردة  (أي مقطوع) فهو معل بالوقف على أبي بردة رضي الله عنه ، وهذا الحديث من الأحاديث التي انتقدها الدارقطني  على مسلم  . وقد ذكر الشيخ سيد سابق  أن هذا الحديث معلول بالإضطراب والإنقطاع ، (فقه السنة 1/215) طبعة مكتبة دار التراث ، ويؤكد الشيخ حفظه الله في نهاية هذا المبحث المهم على أن علة المتن تكون مرتبطة غالبا بعلة الإسناد ، فإذا وجدنا المتن مستنكرا ، فلننظر في السند فغالبا ما يكون هو الآخر معلا .

 وهذا المبحث من الأهمية بما كان لأنه يرد على التهمة الجائرة التي وجهها المستشرقون وأذنابهم من المستغربين من أبناء المسلمين إلى أئمة الحديث بأنهم لم يهتموا إلا بنقد الأسانيد ، دون إلتفات إلى نقد المتون ، فكأنهم يقولون بأن رجالكم نقلوا لنا أحاديث مسندة بفلان عن فلان دون فقه أو معرفة بالنصوص ، وممن تصدى لهذه التهمة الجائرة ، الدكتور / الحسين شواط في كتابه "حجية السنة" ، حيث أفرد لها مبحثا كاملا ، تحت عنوان "مناقشة الشبهات المتعلقة بحجية السنة" ، حيث بين أن معايير نقد الإسناد عند المحدثين ستة إجمالا ، وهي : اتصال السند ، وعدالة الرواة ، وضبط الرواة ، والسلامة من الشذوذ ، والسلامة من العلة القادحة ، ووجود العاضد عند الإحتياج إليه .

وأما معايير نقد المتن فهي أكثر من خمسة عشر منها :

عدم مخالفة القرآن ، عدم مخالفة محكم السنة ، عدم مخالفة الإجماع المستقر ، عدم مخالفة المعلوم من الدين بالضرورة ، عدم مخالفة العقل الصريح ، عدم مخالفة الحس الصحيح ، عدم مخالفة حقائق التاريخ الثابتة ، أن لا يكون الحديث ركيك اللفظ ، أن لا يخالف القواعد العامة في الحكم والأخلاق ، أن لا يخالف البدهي في الطب والحكمة ، أن لا يكون داعية إلى رذيلة تتبرأ منها الشرائع ، أن لا يشتمل على سخافات يتنزه عنها العقلاء فضلا عن الأنبياء ، أن لا يوافق مذهب الراوي الداعي إلى بدعته ، أن لايخبر عن أمر في حضور عدد عظيم من الناس ثم ينفرد به واحد ، أن لا يشتمل عل إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير ، ألا يبالغ في الوعيد الشديد على الخطأ الحقير .

 

 

شروط الإسناد :

أن يكون راوي الخبر ثقة يحتج به ، (أي أن تتوفر فيه عدالة الدين ، وأن يكون ضابطا حافظا) ، بمعنى أن يكون صوابه أكثر من خطئه ووهمه ، فيكون الأصل الإحتجاج به حتى يدل الدليل على خطئه أو وهمه ، وإن كان الراوي صاحب كتاب ، فإنه يشترط أن يكون كتابه مضبوطا ، بمعنى أن يصونه من إدخال ما ليس منه فيه ، وألا يعيره لأحد ، ولذلك كانوا يبخلون عن إعارة كتبهم ، وعدمُ إعارتهم للكتاب كان يعد مدحاً فيهم ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

قال الإمام أحمد : قال أبو قطن (عمرو بن الهيثم) - وكان ثبتاً -: "ما أعرت كتابي أحداً قط"

وقال علي بن قادم : سمعت سفيان يقول : "لا تُعِرْ أحداً كتاباً" ، وقال الربيع بن سليمان : كتب إليّ البويطي: "احفظ كتبك ، فإنه إن ذهب لك كتاب لم تجد مثله" .

وكان بعض ضعاف النفوس يُدخل في كتب الناس أحاديث ليست من أحاديثهم ، منهم :

حبيب بن أبي حبيب أبو محمد المصري وقيل المدني كاتب مالك ، قال ابن حبان :كان يورّق بالمدينة على الشيوخ ، ويروي عن الثقات الموضوعات ، كان يدخل عليهم ما ليس من حديثهم ، وسماع ابن بكير وقتيبة كان بعَرْض ابن أبي حبيب ، ذكره الذهبي في "الميزان" ، وممن نبه على ذلك ابن حبان  في مقدمة كتابه "المجروحين" ، حيث قال : ((وجماعة من أهل المدينة امتحنوا حبيب بن أبي حبيب الورّاق ، كان يُدْخل عليهم الحديث ، فمن سمع بقراءته عليهم فسماعه لا شيء .

كذلك كان عبدالله بن ربيعة القدامي بالمصيصة ، كان له ابن سوء يُدخل عليه الحديث عن مالك وإبراهيم بن سعد وذويهم .

وكان منهم سفيان بن وكيع بن الجرّاح – وكان له وراق يقال له: (قرطمة) ، يدخل عليه الحديث في جماعة مثل هؤلاء ، ويكثر عددهم .

وكقيس بن الربيع  الذي أدخل ابنه في حديثه ما ليس منه : كما ذكر ذلك ابن نمير  ، حيث قال : كان له ابنٌ هو آفته ، نظر أصحاب الحديث في كُتبه فأنكروا حديثه، وظنوا أن ابنه قد غيّرها .

وكعبد الله بن صالح  كاتب الليث  حيث حيث أدخل جاره في حديثه ما ليس منه ، ولذا ذكره العقيلي  في الضعفاء .

والثقات على درجات :

المشهورون بالرواية وهم الحفاظ العدول .

الحافظ الضابط مجروح العدالة من جهة تلبسه ببدعة من البدع مع كونه صدوقا في نفسه ، وقد نقل الحاكم  في الإكليل ، أن العمل على قبول رواية هؤلاء هو المعتمد عند أهل العلم .

الرواة الغير مشهورين الذين رووا أخبار مستقيمة ودلت الأدلة والقرائن على قبول أخبارهم ، وهذا القسم قد يعبر عنه بعض العلماء (بالمجهولين) ، وقد توسع الذهبي  في الكلام على هذا القسم كما سيأتي إن شاء الله .

 

2.  ويشترط أن يكون حال الرواة من حيث التوثيق في كل طبقات السند .             

3.  اتصال السند .

4.  ألا يكون الحديث شاذا أو معللا ، وسيأتي الكلام على هذا بالتفصيل إن شاء الله .

 

والملاحظ من صنيع المتقدمين  ، أن الحديث إما صحيح وإما ضعيف ، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ، في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ، حيث قال : "ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين : صحيح ، وضعيف . والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به ، وإلى ضعيف حسن ، كما أن ضعف الإنسان بالمرض بنقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال وإلى ضعف خفيف لا يمنع من ذلك ، ومثل أحمد للحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجري ونحوهما . اهـ ، ولم يشتهر لفظ الحسن في عصرهم حتى ذكره الترمذي في جامعه ، وإن كان هذا اللفظ قد ورد في كلام بعض المتقدمين على الترمذي ، كشيخه البخاري  وشيخ شيخه علي بن المديني  ، الذي قيل بأنه أول من استخدم هذا اللفظ وإن كان استخدامه له لم يكن بمعناه الإصطلاحي الذي تقرر بعد ذلك في علم المصطلح .

 

الصحيح لغيره :

 وهو الحديث الذي ورد من أكثر من طريق ، كل طريق منها حسن لذاته ، فارتقى إلى منزلة الصحيح بتعدد طرقه ، وأما اجتماع أسانيد متعددة لا تصل إلى درجة الحسن لذاته فهذا هو الحسن لغيره والصواب أن ما غلب على الظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قاله فهو صحيح سواء كان لذاته أو باجتماع عدة أسانيد حسنة لغيرها أو لذاتها ، وجدير بالذكر أن الشيخ مقبل بن هادي  قد أيد هذا الرأي فقال ردا على سؤال بالنسبة للحديث الضعيف إذا كان الضعف راجعًا إلى سوء الحفظ ، وتكون له طرق كثيرة فهل يرتقي إلى الصحيح لغيره ؟ : نعم ، إذا لم يشتد ضعفه ، فيمكن أن يرتقي إلى الحسن لغيره ، وإلى الصحيح لغيره إذا جاء من نحو سبع طرق أوست ، سيء الحفظ مع سيء الحفظ مع سيء الحفظ ، ولكن بشرط ألا يكون ذلك الذي قيل فيه سيء الحفظ قد خالف ، أو ذكر هذا الحديث في ترجمته في "الكامل" لابن عدي ، "ميزان الإعتدال" ، أو "لسان الميزان" أو في كتب العلل على أنه حديث منكر ، فمثل هذه الطريق لا تصلح في الشواهد والمتابعات لأنه إذا خالف الثقات المتكاثرين فحديثه منكر والمنكر لا يصلح في الشواهد والمتابعات ، فلا بد من اعتبار هذه الشروط. والله المستعان . المقترح في أجوبة أسئلة المصطلح س184 . ومن الأمثلة التي توضح هذا :

حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ابتع علينا إبلا بقلائص من قلائص الصدقة إلى محلها) ، فكان يأخذ البعير بالبعيرين والثلاثة ، فقد رواه أحمد  من طريق محمد بن إسحاق ورواه البيهقي من طريق عمرو بن شعيب وكل واحد من الطريقين بانفراده حسن (فحديث محمد بن إسحاق وعمرو بن شعيب  حسن) ، فبمجموعهما يصير الحديث صحيحا لغيره .   

حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ، يقول ابن الصلاح  عن هذا الحديث : فمحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة ، لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه ، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته ، فحديثه من هذه الجهة حسن ، فلما انضم إلى ذلك كونه روي من أوجه أخر زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهة سوء حفظه ، وانجبر به ذلك النقص اليسير ، فصح هذا الإسناد ، والتحق بدرجة الصحيح ، وجدير بالذكر أن الشيخين  أخرجا هذا الحديث من طريق أبي الزناد  عن الأعرج  عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وهذا بلا شك طريق معضد لحديث محمد بن عمرو  يرقى به إلى درجة الصحة ، ولعل هذه الطريق هي التي أشار إليها ابن الصلاح  ، والله أعلم .  

 

ثم شرع الشيخ حفظه الله في الكلام على الأسانيد التي ذكرها الذهبي  كأمثلة على الأسانيد الصحيحة :

مالكُ ، عن نافع ، عن ابن عُمَر : وهي السلسلة التي وصفها البخاري  بالسلسلة الذهبية ، وفي الكتب الستة 81 حديثا بالمكرر من هذا الطريق ، وقد زادها بعض أهل العلم فجعلها : أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، وهناك أربعة أخبار من هذا الطريق ، وقد جمع الحافظ  أحاديث السلسلة الذهبية في مصنف مستقل .

منصورٌ ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبدالله : ومنصور هو منصور بن المعتمر السلمي الكوفي ، وإبراهيم هو إبراهيم بن يزيد النخعي  ، وفي الكتب الستة 10 أحاديث بالمكرر من هذا الطريق ، وأحاديث الأعمش  عن إبراهيم   عن علقمة  عن ابن مسعود رضي الله عنه أكثر من أحاديث هذه السلسلة ، وجدير بالذكر أن بعض الحفاظ المتقدمين قدموا منصورا على الأعمش ، ومنهم ابن معين ، حيث قال : إذا اجتمع الأعمش ومنصور فقدم منصورا ، وأبو حاتم  ، حيث قال : منصور أتقن من الأعمش ، لا يخلط ولا يدلس ، وقدمه البعض كسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وإبراهيم بن موسى ، فيما نقله عنه أبوزرعة  ، وأحمد بن عبد الله على الكوفيين مطلقا .

الزهريٌّ ، عن سالم عن أبيه ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وسالم هو سالم بن عبد الله ، وهو يروي عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وفي الكتب الستة 220 حديثا بالمكرر من هذا الطريق ، وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر  في الباعث الحثيث طريقين آخرين يعتبران من أصح الطرق عن ابن عمر رضي الله عنهما وهما : أيوب (أي السختياني) عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ، ويحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما .

 

 

أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، وأبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز (شيخ مالك) ، وفي الكتب الستة 277 حديثا بالمكرر من هذا الطريق ، وجدير بالذكر أن البخاري  قد اختار هذا الإسناد كأصح الأسانيد عن أبي هريرة رضي الله عنه  ، وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر  في الباعث الحثيث عدة أسانيد أخرى تعتبر من أصح الأسانيد إلى أبي هريرة رضي الله عنه وهي ، يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، والزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، وحماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، وإسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة ابن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة ، ونقل رحمه الله في تحقيقه لرسالة الشافعي رحمه الله ، ص208 ، قول ابن حجر في التهذيب (1/289) : نقل ابن شاهين في الثقات عن أحمد بن صالح قال : إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان : هذا من أثبت أسانيد أهل المدينة . اهـ ، ومعمر عن همام عن أبي هريرة (وقد روى مسلم  عدة أحاديث من صحيفة همام من طريق محمد بن رافع  عن رجال هذه السلسلة) ، وزاد  في سلسلة أبي الزناد مالك فجعلها مالك عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة .

 

ابنُ أبي عَرُوبة ، عن قتادة ، عن أنس ، وابن أبي عروبة هو سعيد بن أبي عروبة اليشكري (وهو من أثبت الناس في قتادة مع شعبة وهشام الدستوائي) ، وقتادة هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي ، وفي الكتب الستة 59 حديثا بالمكرر من هذا الطريق ، وقد زاد الشيخ أحمد شاكر  على هذا خمسة أسانيد وجعلها من أصح الأسانيد عن أنس رضي الله عنه وهي (مالك ومعمر وسفيان بن عيينة ، "بترتيبهم هكذا تنازليا من حيث الحفظ") عن الزهري عن أنس رضي الله عنه ، و (حماد بن سلمة وحماد بن زيد "بهذا الترتيب من حيث الحفظ") عن ثابت بن أسلم البناني عن أنس رضي الله عنه ، وهنا دقيقة لابد من الإشارة إليها ، وهي أن حماد بن زيد وإن كان أثبت من حماد بن سلمة إجمالا إلا أن كثيرا من العلماء قدموا حماد بن سلمة في هذا الموضع على حماد بن زيد  ، لأن حماد بن سلمة هو أثبت الناس إطلاقا في ثابت  ، فقد كان ربيبه ، وهذا ما سهل له حفظ حديثه وإتقانه ، وهو ما يحمل عليه صنيع مسلم  في إحتجاجه بحماد بن سلمة ، رغم كلام العلماء في حفظه ، وحال حماد بن سلمة هنا كحال إسرائيل بن يونس بن أبي اسحاق السبيعي  في روايته عن جده أبي إسحاق  ، فهو مقدم في حديث جده على من سواه ولو كان سفيان وشعبة ، وهذا أحد القرائن التي اعتمد عليها البخاري  في ترجيحه لرواية إسرائيل الموصولة لحديث : (لا نكاح إلا بولي) ، رغم أنه خالف من هو أوثق منه إجمالا (سفيان وشعبة) حيث روياه مرسلا ، وعلى هذا يتضح لنا جانب من صنيع المتقدمين  ، وهو دراسة القرائن المحتفة بالرواية ، وتتبلور لنا قاعدة مهمة جدا في الترجيح بين الروايات المتعارضة وهي ، "أن أهل بيت الراوي هم أولى الناس بالتقديم في روايته" .       

 

ابنُ جُرَيج ، عن عطاء ، عن جابر ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي المكي ، وهذه سلسلة مشهورة عن جابر رضي الله عنه . وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر  في الباعث الحثيث إسنادا آخر عن جابر رضي الله عنه واختاره كأصح إسناد عن جابر رضي الله عنه وهو : سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر رضي الله عنه ، وهو الذي اختاره الشيخ محمد بن عثيمين  في مذكرته "مصطلح الحديث" .

 

الليثُ ، وزهير ، عن أبي الزُّبير ، عن جابر ، والليث هو الليث بن سعد ، وزهير هو زهير بن معاوية الجعفي ، (والليث أوثق من زهير في أبي الزبير المكي) ، وأبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تادرس المكي ، وهو ثقة حافظ وكان عطاء يقدمه حتى يحفظ لهم حديث جابر رضي الله عنه لشدة حفظه وحديثه مستقيم سواءا صرح بالتحديث أم لم يصرح (وهذا اختيار الشيخ السعد حفظه الله) وهذا يعارض ما ذهب إليه الليث حيث أن قصته مع أبي الزبير مشهورة لما أعطاه كتابه فقال له الليث  : أين الذي سمعته والذي لم تسمعه من جابر (علملي عليه) فلم يقبل الليث عنعنته كما اختار الشيخ السعد حفظه الله ، وقد ذكر الشيخ حفظه الله أن هناك أخبارا يسيرة لم يسمعها أبو الزبير من جابر وأخذها من زوجة سليمان بن قيس اليشكري ، وهذا قول أبي حاتم الرازي ، وربما كانت هذه الأخبار اليسيرة هي التي حملت الليث على عدم قبول عنعنة أبي الزبير ، وربما كانت قلة هذه الأخبار مقارنة بما رواه أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه هي التي رجحت قبول روايته مطلقا عند الشيخ السعد حفظه الله وبهذا يزول هذا التعارض . وهناك بعض الأخبار القليلة المستنكرة على أبي الزبير ، وفي الكتب الستة 360 حديثا بالمكرر من هذا الطريق (المقصود طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه ) .

سِماَكٌ ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وسماك هو سماك بن حرب (من الطبقة الرابعة من التابعين) ، وعكرمة هو مولى ابن عباس رضي الله عنهما ، وقد تكلم فيه لقبوله هدايا السلطان وقد خرج له البخاري  وأعرض مسلم  عن روايته لأسباب أخرى خلاف هذا السبب ، منها أنه اتهم بأنه يقول برأي الصفرية (أحد فرق الخوارج) وقد دافع عنه جمع من الأئمة كابن عبد البر  ، وبأنه يكذب على ابن عباس رضي الله عنهما وحاشاه رحمه الله أن يفعل ذلك ، وإنما اتهم بذلك لتفرده عن ابن عباس بما لا يتابع عليه ، وذلك من طول ملازمته لإبن عباس رضي الله عنهما . (ذكر ذلك الشيخ سعد بن عبد الله الحميد حفظه الله في إحدى محاضراته) ، وفي الكتب الستة 29 حديثا بالمكرر من هذا الطريق وكثير منها قد صححها الترمذي  والغالب عليها أنها مستقيمة ، فالأصل في هذه السلسلة أنها مستقيمة إلا إذا ثبت خطأ سماك كما في حديث رؤية هلال رمضان ، وقد اختلف على سماك في هذا الحديث فوصله زائدة بن قدامة وأرسله الأكثرون كما ذكر ذلك الترمذي . وقد ذكر الشيخ حفظه الله في موطن آخر (في محاضراته عن علم الرجال) ، أقسام حديث سماك  وقسمه إلى ثلاثة أقسام :

ما رواه عن غير عكرمة (لأنه تكلم في روايته عنه) وخاصة إذا روى حديث جابر بن سمرة وكان الرواة عنه ممن سمع منه قديما كسفيان الثوري وشعبة (حديث جيد) .

 

إذا كان الراوي عنه ممن سمع منه أخيرا في غير شيخه عكرمة فحديثه حسن . 

إذا كان شيخه عكرمة ، فينبغي أن نفرق بين ما سمعه من عكرمة قديما وأخيرا والسبب في ذلك أن جمعا من الأئمة تكلم في روايته عن عكرمة ، وقال شعبة : "لو شئت أن ألقنه عن ابن عباس لقال عن ابن عباس" وسئل يحيى بن معين  عن ذلك فقال : "لأنه وصل أشياء أرسلها غيره" وقال يعقوب بن شيبة وعلي بن المديني : "روايته عن عكرمة مضطربة" .

 

أبو بكر بن عَيّاش  ، عن أبي إسحاق ، عن البَرَاء ، وأبو بكر بن عياش اختلف في اسمه على أحد عشر قولا ، وصحح أبوزرعة وابن عبد البر أن اسمه شعبة (واختار ذلك الشيخ حفظه الله) ويقال : إن اسمه كنيته ، ورجحه ابن الصلاح  ، قال : لأنه روي عنه أنه كان يقول ذلك ، وهو صدوق تغير حفظه وحديثه القديم أصح ، وفي الكتب الستة 5 أحاديث بالمكرر من هذا الطريق ، والأصل في هذه السلسلة أنها مستقيمة إلا إذا ورد ما يردها ، وقد أخر الذهبي  هذه السلسلة لوجود أبي بكر بن عياش  فيها .

 

العلاءُ بن عبدالرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، ونحوُ ذلك من أفراد البخاري أو مسلم وهي أصح من الطريقين السابقين ، وفي مسلم والسنن الأربعة 124حديثا بالمكرر من هذا الطريق وكلها مستقيمة إلا خبر : (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) .  

 

شروط قبول الزيادة :

أن يكون من زادها من الحفاظ كشعبة .

أن يكون من زادها جماعة من الحفاظ .

أن يكون من زادها له مزيد اختصاص بالشيخ الذي روى عنه كرواية عكرمة  عن ابن عباس رضي الله عنه .

ومن أمثلة الزيادات المردودة : زيادة : (إنك لا تخلف الميعاد) ، فقد زادها محمد بن عوف الحمصي  وهو ثقة ولكنه خولف من قبل جمع من الحفاظ كأحمد والبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي الذين رووا هذا الحديث عن علي بن عياش الألهاني عن شعيب بن أبي حمزة  عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه دون ذكر هذه الزيادة ، وممن تكلم عن مسألة الزيادة وضوابطها وأقسامها ، الدكتور عادل عبد الغفور حفظه الله في شرحه لنزهة النظر ، وأنقل هنا ، بمشيئة الله عز وجل ، ملخصا لما قاله في هذه المسألة ، بتصرف :

أقسام الزيادة :

قسم الشيخ حفظه الله الزيادة إلى 3 أقسام :

زياد لحديث محض : وهو أن يروي حديثا لم يشاركه فيه أحد ، فإن كان ممن يحتمل تفرده ، وهو راوي الصحيح والحسن لذاته ، فالأصل قبول حديثه إلا إذا وردت قرائن تؤيد وهم هذا الراوي في هذا الحديث بالذات ، وأما إن كان الراوي ضعيفا لايحتمل تفرده بهذا الحديث ، فإن الأصل في حديثه الرد ، لأنه منكر بقيد التفرد ، (باصطلاح الحافظ ) ، فهو منكر لأن راويه ضعيف ، وهو مقيد بالتفرد لأن راويه لم يتابع عليه .

زيادة لا تعلق لها بالمزيد عليه : كأن يروى حديث في النهي عن عدة أمور ، كالمزابنة والمحاقلة و … الخ ، ثم ينفرد راو بزيادة أمر منها ، فهذه الزيادة تعامل كحديث مستقل ، كما في القسم الأول .

زيادة لها تعلق بالمزيد عليه : وهذه هي التي وقع فيها الخلاف كالتالي :

رأى بعض أهل العلم قبولها مطلقا ، وهذا رأي أكثر الفقهاء والأصوليين ، وبعض المحدثين ، كالخطيب البغدادي  الذي استدل بقول البخاري  : (زيادة الثقة مقبولة) ، وذلك عندما رجح  رواية إسرائيل الموصولة لحديث : (لا نكاح إلا بولي) على رواية سفيان وشعبة المرسلة . وقد اعترض ابن رجب على قول الخطيب ، حين قال بأنه سلك مسلك المحدثين حيث أعل بعض الأحاديث بمخالفة الواحد للجماعة .

ورأى بعض أهل العلم ، قبول رواية الأكثر ، وعليه يحمل قول الشافعي  : (العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد) ، فعلى سبيل المثال إذا خالف ثقة عشرة من الثقات ، فإن زيادته غير مقبولة لأنه خالف جمعا من الثقات ، ومن قبل زيادة الواحد على الجماعة ، افترض افتراضات بعيدة ، كأن يكون هو المستيقظ الوحيد في المجلس أو أن يكون هو أول من حضر لمجلس الشيخ ، فسمع هذه الزيادة قبل مجيئهم ، وهو بهذا أراد أن يرفع الإتهام بالغفلة عن هذا الثقة ، مع سبق توثيقه ، فاتهم جمعا من الثقات بالغفلة في مقابله ، وهنا يشترط أن يكون مجموع الرواة المخالفين للراوي الذي زاد أرجح منه ، وإن لم يكن كل واحد منهم أرجح منه على إنفراد ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، مخالفة مالك  للجماعة في حديث اضطجاع النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر ، فقد روى أن هذه الضطجعة كانت قبل صلاة الفجر ، بينما روى الجماعة المخالفون له أنها كانت بعد صلاة الفجر وهي الرواية الصحيحة ، فكل واحد من الجماعة المخالفين لمالك  أدنى منه في الحفظ والإتقان على حدة ، ولكنهم بمجموعهم أرجح منه في هذه الرواية ، بينما لو كان الجماعة أدنى من الواحد المخالف ، كأن يكونوا جماعة من الكاذبين ، فإن رواية الثقة المخالف أرجح ، وإن تفرد عنهم ، لأنه لا إعتبار لروايتهم أصلا .   

ورأى بعض أهل العلم ، قبول رواية الأحفظ .

ورأى بعض أهل العلم ، أن الأمر يدور مع القرائن والمرجحات ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، قبول البخاري  لزيادة إسرائيل  في رواية حديث : (لا نكاح إلا بولي) على رواية سفيان وشعبة  ، حيث وصل إسرائيل  هذا الحديث ، وأرسله سفيان وشعبة  ، ورغم رجحانهما على إسرائيل  في الحفظ والإتقان ، إلا أن البخاري  قبل زيادته عليهما ، لقرائن احتفت بهذه الزيادة ، ومن أهمها :

أنه قد تابع إسرائيل  على زيادته تمام العشرة ، ومنهم شريك وقيس بن الربيع  .

أن إسرائيل  ، أحفظ الناس لحديث جده أبي إسحاق السبيعي  ، الذي يروي عنه هذا الحديث ، والقاعدة أن أهل بيت الراوي هم أحفظ الناس لحديثه ، لطول ملازمتهم له ، وقد أثر عن إسرائيل  أنه قال : أحفظ حديث جدي كما أحفظ سورة الحمد .

أن سفيان وشعبة  ، أخذا الحديث عن أبي إسحاق  ، عرضا ، فقد عرضاه عليه مرسلا ، ولم يسمعاه منه كذلك ، وقد عرف عن المتقدمين أنهم لم يكونوا على نفس درجة حرص المتأخرين في ذكر سياق السند متصلا ، خلافا لإسرائيل   الذي سمع هذا الحديث من جده موصولا ، والسماع أعلى من العرض .

وضرب الشيخ حفظه الله مثالا آخر ، وهو إذا ما ثبت ، على سبيل المثال ، أن الواحد الذي خالف الجماعة وزاد عليهم ، سمع من شيخه الذي اختلط قبل إختلاطه ، بينما سمع الجماعة المخالفون له من نفس الشيخ بعد اختلاطه .

وقد أطال الحافظ  في النكت الكلام على شروط قبول الزيادة وهي :

أن يكون الذي زادها متقنا حافظا ، ولا يكتفى بكونه ثقة أو صدوقا .

أن تكون روايته مساوية لرواية من لم يزد أو أعلى منها . 

مسألة : حديث : (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) ، تفرد أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي  بزيادة (وتربتها طهورا) عن ربعي بن حراش  عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذه الزيادة مقبولة مطلقا ، لأنها زيادة صحابي على صحابة آخرين ، والترجيح لا يكون في طبقة الصحابة لأنهم كلهم عدول ، وإنما يكون في الطبقات المتأخرة .

 

ويتعجب الحافظ  من صنيع الشافعية  ، حيث قبلوا زيادة الثقة مطلقا ، رغم أن هذا يخالف نص الشافعي  ، الذي قال ما معناه : (ويكون الراوي الذي يحكم له بالضبط ، إذا شارك الحفاظ في الرواية عن شيخ لا يخالفهم ، فإن خالفهم كانت مخالفته بالنقص ، لا بالزيادة) ، فنظرة الشافعي نظرة الناقد ، حيث أن المخالفة القادحة هي المخالفة بالزيادة لا بالنقص ، لأن النقص يدل على ضبط الراوي وحفظه ، بحيث أنه إذا شك في لفظ فإنه يتركه ، ويعلق الحافظ  على قول الشافعي ، فيقول : ومقتضى كلام الشافعي أن المخالفة بالزيادة ضارة ، وهذا يدل على أن زيادة الثقة غير مقبولة مطلقا خلافا للشافعية  ، وقد خص الحافظ  الشافعية بالنقد في هذا الموطن لأنهم خالفوا نص إمامهم .

مثال على ترجيح الزيادة وقبولها :

حديث الترمذي والنسائي وابن ماجة  من طريق ابن عيينة  عن عمرو بن دينار  عن عوسجة  عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رجلا توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه ، فرواية ابن عيينة  موصولة ، بينما خالف حماد بن زيد ، فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، ولم يذكر ابن عباس رضي الله عنهما ، وقد رجح النقاد  رواية ابن عيينة  لعدة قرائن من أبرزها :

متابعة ابن جريج  وغيره لإبن عيينة  على وصل هذا الحديث .  

أن شيخ ابن عيينة في هذا الحديث عمرو بن دينار  ، وهو مكي ، وابن عيينة  مكي ، وكذا ابن جريج  مكي أيضا ، خلاف حماد بن زيد  ، وعليه فإن رواية ابن عيينة  هي المحفوظة ، لأن القاعدة الحديثية تنص على أن بلدي الشيخ أعلم بحديثه من الغرباء ، لقربه من شيخه ، ولأن هذا مظنة الملازمة والحفظ والإتقان .

أن أثبت الناس في عمرو بن دينار  هو سفيان بن عيينة  ، وعليه فهو مقدم دوما في حديثه .

ولذا قال أبو حاتم  : المحفوظ حديث ابن عيينة  ، فحماد بن زيد  من أهل العدالة والضبط ، ومع ذلك رجح أبو حاتم  رواية من هم أكثر عددا .

وممن تكلم في هذه المسألة ، فأجاد الشيخ مقبل رحمه الله ، حيث قال :

زيادة الثقة من الأمور التي اختلف فيها العلماء ولحذاق الحديث فيها مجال واختلاف ، من حيث أن منهم من يقبل زيادة الثقة ويقول : إنه علم ما لم يعلم غيره وحفظ ما لم يحفظ غيره ، ومنهم من يردّها ، ومنهم من يتوسط فيقبلها إذا لم يخالف من هو أرجح منه ، أما إذا خالف من هو أرجح منه فيعد شاذًا ، ومن هو أرجح منه سواءً أكان في العدد ، أم كان في الضبط ، أم غير ذلك ، ومن الأمثلة على ذلك حديث المسيء صلاته ، حيث رواه يحيى بن سعيد القطان ، عن عبيدالله ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، وقد خالف يحيى جمع كثير ، فرووه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة فلم يذكروا أباه ، وأراد الدارقطني أن ينتقده ثم هاب أن يوهّم يحيى بن سعيد القطان فقال: لعل الحديث روي على الوجهين .

فهذه المسألة مسألة اجتهادية ، تنظر إلى صفات الرواة وإلى ضبطهم وإلى كثرتهم ، فلو تعارض صدوق وصدوق ، وثقة وثقة ، فإذا لم يحصل للناظر ترجيح حمل الحديث على الوجهين أنه روي هكذا وهكذا ، مثلاً : جاء مرسلاً ومتصلاً تحمله على أن الراوي رواه مرسلاً ومتصلاً ، والمرسل صحيح ، والمتصل صحيح ، أو رواه مرفوعًا وموقوفًا ، فيحمل على هذا وهذا ، إذا لم يظهر الترجيح ، وإذا تعارض ثقة وصدوق مع ثقة مثلاً: الثقة أرسل ، والثقة والصدوق وصلا الحديث ، فيرجّح الثقة والصدوق , وأما لو اختلف ثقة حافظ وثقة وصدوق ، يعني: هذا في جانب ، وهذان في جانب ، أيهما يرجّح ؟ الظاهر أنه يحمل على الوجهين.

والمسألة اجتهادية ليس فيها حكم مطّرد ، هكذا يقول الحافظ في مقدمة "الفتح" فإن لحذّاق الحديث نظرات إلى زيادة الثقة ، فرب زيادة يقبلونها ، ورب زيادة يتوقفون فيها أو يردونها .

 

مسألة :

التجويز العقلي (وهو أحد أعراض تأثر بعض المحدثين بعلم الكلام) ، يؤدي إلى تعليل الإختلاف في الزيادة أو النقصان في المتن أو السند ، بأن الراوي ربما حدث بهذا مرة وهذا مرة ، كأن يقال ربما نشط مرة فوصله ، وقصر أخرى فأرسله ، أطلق عليه بعض العلماء (التلون في الرواية) ، بمعن الإختلاف ، وقد نبه الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ، إلى أن (التلون في الرواية لا يقبل من كل ثقة) ، فهو على سبيل المثال يقبل مطلقا من الصحابة رضي الله عنهم دون من سواهم .

 

مسألة : الفرق بين قبول الزيادة والحكم بصحتها :

 قد تكون الزيادة (بشكل عام) ، محفوظة ، ومع ذلك يردها العلماء ، من طريق معين ، لأنها غير محفوظة من هذا الطريق بالذات ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

زيادة (والملك لا شريك لك) ، في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما ، فقد اختلف حكم العلماء في قبول هذه الزيادة من كلا الطريقين :

فقبلوها من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وردوها من حديث عائشة رضي الله عنها ، رغم أن راويها محمد بن فضيل ثقة ، كما نبه إلى ذلك الإمام أحمد رحمه الله في المسند (رغم أن بعض العلماء المعاصرين قال بأن أحكام أحمد رحمه الله لا تعرف من المسند لأنه لا يحكم على الأحاديث في مسنده ، ولكن تعرف من مسائله الحديثية ، كمسائل أبي داود) ، فهذه زيادة ثابتة النسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك فهي مردودة من حديث عائشة من طريق محمد بن فضيل . (الفائدتان ، من شرح الشيخ طارق بن عوض الله حفظه الله لألفية السيوطي) .

الكتب التي ألفت في الصحيح :

الكتب التي احتوت على الصحيح فقط كصحيح البخاري ومسلم  .

الكتب التي غلب على أحاديثها الصحة وفيها شيء من الضعيف . ككتب السنن الأربعة ومسند أحمد 

الكتب التي يكثر فيها الضعيف مع وجود الصحيح ومن مظان الضعيف : ما انفرد به العقيلي   أو ابن عدي  أو الخطيب البغدادي  أو ابن عساكر  في تاريخه أو الديلمي  في مسند الفردوس أو الترمذي الحكيم في نوادر الأصول وهو غير صاحب السنن أو الحاكم وابن الجارود  في تاريخهما .

الكتب التي ألفت في الأحاديث الضعيفة والمعلولة والموضوعة .

وقد ذكر شيخ الإسلام  في رسالة التوسل طرق الأئمة في تصنيف الحديث وجعلها 3 طرق :

طريقة من لا يروي الإ ما يحتج به في مسائل الأحكام كالبخاري ومسلم واسحاق بن راهوية وأحمد بن حنبل وأصحاب السنن  جميعا .

طريقة من يذكر كل ما ورد في الباب ليعرف ما روي في ذلك لا ليحتج بكل ما روي كأبي الشيخ الأصبهاني وأبي الليث السمرقندي  .

طريقة من يروي الأحاديث بلا أسانيد كالديلمي .

الكتب التي احتوت على الصحيح فقط كصحيح البخاري ومسلم   :

وبداية لابد من التنبيه على طريقة الجوامع (وهي الطريقة التي اعتمدها البخاري ومسلم وعبد الرزاق وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري ومعمر  جميعا في تصانيفهم) ، وهي ترتيب الجامع على أبواب تشمل جميع موضوعات الدين الأساسية ، وقد اصطلحوا على أنها ثمانية : العقائد والأحكام والسير والآداب والتفسير والفتن وأشراط الساعة  والمناقب . 

وأصح الكتب التي ألفت في الصحيح هو صحيح البخاري ، وهو قول جماهير أهل العلم ، وخالف في ذلك بعض أهل العلم ، وخاصة المغاربة منهم (كابن حزم رحمه الله) وبعض المشارقة كأبي حاتم وأبي زرعة الرازيان ، وقال أبو علي النيسابوري : (ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم ) وأجاب العلماء على هذا بأن تفضيل ابن حزم  ومن تابعه من المغاربة وبعض المشارقة لا علاقة له بالصحة وإنما يرجع ذلك إلى تفوق صحيح مسلم  على صحيح البخاري في الصناعة الحديثية ، فعلى سبيل المثال اقتصر مسلم  في أغلب الأحيان على المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقط ، مع ملاحظة أن مقدمة كتابه ليست على شرطه ، وأما بالنسبة لقول أبي علي النيسابوري ، فقد أجاب عنه الحافظ  بقوله بأنه لا يستفاد من هذا القول تفضيل وإنما قال أبو علي  بأنه لا يعلم كتابا أصح من مسلم وهذا يمنع وجود كتاب أصح ولكنه لا يمنع وجود كتاب يماثله في الصحة ، وهذا الجواب فيه نظر كما قال الصنعاني  ، وأجاب البعض بأنه لم يصله صحيح البخاري  .

ولا شك أن الرأي الراجح هو الرأي الأول لأسباب من أهمها :

أن رجال البخاري  أعلى من رجال مسلم  حيث تكلم في 80 رجلا من رجال البخاري  (وأكثر ما خرج لهم البخاري في المتابعات والشواهد ولم يحتج إلا بالقليل منهم في أحاديث قليلة) و 160 رجلا من رجال مسلم  (وقد خرج مسلم لكثير منهم احتجاجا أحاديث كثيرة فأخرج لهم صحائف بأكملها ، فقد عرف عنه رحمه الله الإهتمام بالصحف الحديثية) ، ونلاحظ أيضا أن أكثر من تكلم فيهم من شيوخ البخاري  هم من شيوخه الذين سبر مروياتهم وعرف صحيحها من سقيمها (ولا أدل على ذلك من صنيعه مع شيخه اسماعيل بن أبي أويس  لما انتخب له البخاري  أحاديث من كتابه فكان اسماعيل لا يحدث إلا بها) ، أما مسلم  فكثير ممن تكلم فيهم من رجال صحيحه هم شيوخ من طبقات أعلى من طبقة شيوخه (أي أنه لم يلقهم) . 

ما انتقد على البخاري من الأحاديث التي انفرد بها 80 حديثا وما انتقد على مسلم من الأحاديث التي انفرد بها 100 حديث وما انتقد عليهما مما اتفقا عليه 32 حديث وهذا يدل على أن صحيح البخاري أعلى من حيث الصحة ، وقد نقل الشيخ محمد بن عثيمين  في مذكرته في مصطلح الحديث قول شيخ الإسلام  : جمهور ما أنكر على البخاري  مما صححه يكون قوله فيه راجحا على من نازعه بخلاف مسلم فإنه نوزع في أحاديث خرجها وكان الصواب مع من نازعه فيها ومثل لذلك (أي ابن تيمية) بحديث : (خلق الله التربة يوم السبت) ، وحديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات أو أربع ، ويمكن التمثيل أيضا بحديث أبي سفيان رضي الله عنه ، حتى غلا البعض كابن حزم وادعى أنه موضوع ، وقد ذكر د/ حسين شواط في "حجية السنة" ، أن العلماء المعاصرين للبخاري  وافقوه على صحة أحاديث كتابه عدا أربعة أحاديث تفاوتت وجهات نظرهم فيها . وقد قال المحققون من أهل العلم إن الصواب في ذلك إلى جانب الإمام البخاري  (نقل ذلك ابن حجر عن العقيلي وهو تلميذ البخاري  ) حجية السنة ص183 .

شرط البخاري  أعلى من شرط مسلم  حيث اشترط البخاري  ثبوت اللقي في الإسناد المعنعن مع براءة الراوي من التدليس (وقد قال ابن كثير  في اختصار علوم الحديث بأن البخاري لايشترط ثبوت اللقي في أصل صحة الحديث ولكنه التزمه في الصحيح "فجعله ابن كثير  شرط كمال لا شرط صحة" ، بينما اشترط علي بن المديني  ثبوت اللقي في أصل صحة الحديث) بتصرف من الباعث الحثيث ص73 طبعة مكتبة السنة  ، وفي هذا الكلام نظر كما قرر ذلك الحافظ لأن البخاري أعل بعض الأحاديث في التاريخ الكبير بعدم سماع الإبن من أبيه ، ويأتي بيان هذا بالتفصيل في المسألة التالية ، بينما اشترط مسلم  المعاصرة وإمكان اللقي (مع عدم وجود ما ينفيه من تصريح إمام بنفي اللقي أو ما شابه ذلك) ، ولا شك أن شرط البخاري  أمان من التدليس (بإشتراط البراءة منه) والإرسال ، بينما شرط مسلم  أمان من التدليس فقط حيث أن مسلم  يرى أن التدليس يشمل الصورة المعروفة منه ويشمل أيضا الإرسال الخفي مطلقا (وهو رواية الراوي عمن عاصره دون أن يلقاه) ، ولكن الإرسال الخفي لا يعتبر تدليسا إلا بقيد إيهام السماع وليس مطلقا كما ذهب إليه مسلم  وهناك عدة أدلة على ذلك من أبرزها رواية سعيد بن المسيب  عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (وقد عاصره واختلف في سماعه منه) ومع ذلك لم يرم سعيد  بالتدليس ، وأرسل المخضرمون عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم قد عاصروه ومع ذلك لم يرموا بالتدليس ، وأرسل أبو قلابة  عمن عاصره ومع ذلك لم يتهمه أبو حاتم  بالتدليس وإنما قال عنه : كان يرسل عمن عاصره ولا يعرف عنه تدليس وأشار إلى ذلك الحافظ  وجدير بالذكر أن مسلم  رغم تبنيه مذهب المعاصرة دون اشتراط اللقي فإنه يؤخر الروايات التي لم يثبت فيها اللقي  ويقدم الروايات التي ثبت فيها اللقي ، ونقل الشيخ العثيمين في مذكرة مصطلح الحديث قول النووي  : (أنكره المحققون ، وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقا كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذي جوزه والله أعلم  .

 

وجدير بالذكر أن البخاري  قد تفوق في علم العلل على مسلم ، ومن الأمور التي تميز بها البخاري انتقاؤه لأحاديث من يروي عنه ، فعلى سبيل المثال ، لم يرو البخاري لخالد بن مخلد (وقد تكلم فيه) إلا من طريق سليمان بن بلال ، ولم يرو لإسماعيل بن أبي أويس  إلا حديثه عن مالك  لأنه من أثبت الناس في مالك ، رغم أنه أكثر من الرواية عن عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك ، وروى من طريق معن بن يحيى القزاز عن مالك وإن كان لم يسمع من يحيى  .

 

مسألة : ادعى ابن كثير ، أن اشتراط البخاري اللقي ، ولو مرة واحدة بين المتعاصرين ، هو شرط كمال ، وليس بلازم في أصل الصحة ، وقد رد على هذا الرأي الحافظ  في النكت ، حيث قال : ادعى بعضهم أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه لا في أصل الصحة ، وأخطأ في هذه الدعوى بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري  ، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في "تاريخه" بمجرد ذلك ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

ما أعل به حديث حكيم الأثرم ، عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة مرفوعا : من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فصدقه فيما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ، فقد علق البخاري  على هذا الحديث في التاريخ الكبير (2/1/17) بقوله : (هذا حديث لا يتابع_أي حكيم الأثرم_عليه ، ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة) ، مع أن أبا تميمة وأبا هريرة قد تعاصرا .

حديث أبي المطوس ، عن أبي هريرة مرفوعا : من أفطر من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر ، ولو صامه ، فقد نقل الحافظ  في الفتح (8/306) ، قول البخاري في التاريخ : تفرد أبو المطوس بهذا الحديث ، ولا أدري سمع أبوه من أبي هريرة أم لا .

 

مسألة : رواية مسلم ، عن بعض الضعفاء ، ما عرف من طريق الثقات ، لأجل العلو في السند :

صرح مسلم  بذلك ، لأن هذا الحديث يكون عنده من طريق هذا الضعيف بعلو ، ومن طريق من هو أوثق منه بنزول ، فالحديث صحيح ثابت ، فلا يضر مسلم  تخريجه من رواية الضعيف .

وقد تطرق الخطيب البغدادي  لهذه المسألة في ترجمة أحمد بن عيسى المصري في (تاريخ بغداد) ، حيث روى بسند صحيح من طريق سعيد بن عمرو البرذعي  ، قال : شهدت أبازرعة_يعني الرازي_ذكر كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم بن الحجاج ، ثم الصائغ على مثاله ، فقال لي أبوزرعة : هؤلاء قوم أرادو التقدم قبل أوانه ، فعملوا شيئا يتشوفون به ، ألفوا كتابا لم يسبقوا إليه ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها .

وأتاه ذات يوم_وأنا شاهد_رجل بكتاب الصحيح من رواية مسلم  ، فجعل ينظر فيه ، فإذا حديث عن أسباط بن نصر ، فقال أبوزرعة : ما أبعد هذا من الصحيح ، يدخل في كتابه أسباط بن نصر !! ، ثم رأى في كتابه قطن بن نسير ، فقال لي : وهذا أطم من الأول ، قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس ، ثم نظر فقال : يروي عن أحمد بن عيسى المصري في كتابه الصحيح .

قال لي أبوزرعة : ما رأيت أهل مصر يشكون في أن أحمد بن عيسى ، وأشار أبوزرعة إلى لسانه ، كأنه يقول الكذب ، ثم قال لي : تحدث عن أمثال هؤلاء وتترك محمد بن عجلان ونظراءه ، وتطرق لأهل البدع علينا ، فيجدوا السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتج به عليهم : ليس هذا في كتاب الصحيح ؟ ، ورأيته يذم من وضع هذا الكتاب ويؤنبه ، فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه ، وروايته في كتاب الصحيح عن أسباط بن نصر ، وقطن بن نسير ، وأحمد بن عيسى ، فقال لي مسلم (وهذا هو محل الشاهد الذي يوضح صنيع مسلم ) : إنما قلت صحيح ، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم ، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول فأقتصر على أولئك ، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات .

 

مسألة : صفة ما كان على شرط الشيخين أو أحدهما :

ينبه الشيخ عمرو عبد المنعم حفظه الله ، إلى أن هذه الصفة ، لا تعني مجرد احتواء السند على رواة خرج لهم الشيخان  ، دون مراعاة سياق السند ، بل تعني الطريقة التي اتفقا على إخراج حديث هؤلاء الرواة بها ، من حيث روايتهم عن شيوخهم .

فمثلا قد أخرج الشيخان حديث داود بن الحصين وعكرمة ، ولكنهما لم يخرجا حديث داود بن الحصين عن عكرمة لضعف هذه الترجمة ، فقد قال ابن المديني  في داود بن الحصين : ما روى عن عكرمة فمنكر ، وقال أبوداود : أحاديثه عن شيوخه مستقيمة ، وأحاديثه عن عكرمة مناكير ، فحديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ليس على شرط أحدهما ، وما قيل في داود عن عكرمة ، يقال في هشيم عن الزهري ، وهمام عن ابن جريج ، وجدير بالذكر ، أن الحاكم  كثيرا ما يطلق الحكم على الحديث بأنه على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما ، لمجرد احتواء سنده على رجال خرج لهم الشيخان ، بغض النظر عن سياق السند ، لذا وجب التنبيه على صنيع الحاكم  في مستدركه .

 

مسألة : ذكر الحافظ  في شرح النخبة ، حديث : (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين) ، وذلك في معرض كلامه على حكم رواية الموضوع ، وقال  بأن مسلم  ، أخرجه في صحيحه ، وهذا ما يوهم بأن مسلم  قد أخرجه في أصول صحيحه ، وهذا غير صحيح ، فالحديث رغم صحته ، لم يحتج به مسلم  ، وإنما ذكره في مقدمة صحيحه ، ومن المعروف أنها ليست على شرطه ، لأن شرطه  قد خف في مقدمة صحيحه .

 

                             

 

 

ومن المسائل التي اختلف فيها الشيخان  ، مسألة المعلقات وهذا يستلزم منا الإسهاب بعض الشيء في دراسة منهج كل منهما في المعلقات :

المعلقات عند مسلم  :

وقد بدأنا الكلام عنها لأنها أقل بكثير من معلقات البخاري  ، وهذا أحد الأمور التي تميز بها صحيح مسلم  حيث حرص مسلم  على تجريد كتابه من الموقوفات والمقطوعات والمعلقات ولكنه أدخل بعض المعلقات في صحيحه وقد اختلف العلماء في عددها فذكر الجياني  أنها أربعة عشر وتعقبه ابن الصلاح  بأنها اثنا عشر فقط والأرجح ما ذهب إليه ابن حجر  من أنها ستة فقط لأن الستة الباقية بصيغة الإتصال لكن أبهم في كل منها اسم من حدثه وقد وصل مسلم جميع معلقاته ما عدا حديثا واحدا في التيمم ، وأما الموقوفات ، فإن في صحيح مسلم أحاديث موقوفة أوصلها الحافظ  إلى 192 حديثا وجمعها في كتاب له يسمى "الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف" بتصرف من حجية السنة ص189 ، د/ حسين شواط .

وقد فصل الشيخ سعد الحميد حفظه الله القول في معلقات مسلم  فأجاد فقال حفظه الله في معرض كلامه على منهج الإمام مسلم  :

عدد المعلقات عند مسلم  14 وهي ترجع إلى 12 لأن أحدها مكرر والآخر ليس معلقا ، فقد جاء بسندين في روايتن للصحيح :

رواية أبي العلاء بن ماهان , وسندها : حدثنا صاحب لنا عن إسماعيل بن زكريا   عن الأعمش  وعن مالك بن مغول  كلهم عن الحكم بن عتيبة  عن ابن أبي ليلى  عن كعب بن عجرة  ، وذكر حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . فهذا سند متصل فيه مبهم ، فلم يعلقه مسلم  ، لأنه لم يسقط شيخه وإن كان قد أبهمه .

رواية أبي أحمد الجلودي ، وهي الرواية المعتمدة الموجودة بين أيدينا اليوم ، وفيها التصريح بإسم ذلك المبهم ، وهو محمد بن بكار  ، وهذا يعني أن الحديث متصل بإسناد رجاله معروفون .

أما بقية المعلقات (12) ، فمنها أحاديث وصلها مسلم  في موضع آخر من صحيحه ، وعددها(5)،فتبقى لنا(7) .

ومن هذه الـ(7)نجد(6) منها متصلة بأسانيد في كل منها مبهم ، وهي موصولة عند غير مسلم  خارج الصحيح .

ويتبقى لنا من الـ(14) حديث واحد فقط ، نص الحافظ العراقي  على أنه الحديث المعلق الوحيد عند مسلم  .

المعلقات عند البخاري  :

بداية لابد من ذكر الرأي المجمل في هذه المسألة وهو : أن ما علقه بصيغة الجزم فهو صحيح عنده ، وإن لم يكن في صحة الحديث المسند في صحيحه ، وما علقه بصيغة التمريض فهو عنده ضعيف ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من التفصيل وذلك كالتالي :

تقسيم معلقات البخاري  :

الموقوفات :

وخلاصة القول فيها أن شرط البخاري  قد خف فيها ، كما خف شرط مسلم  في مقدمة صحيحه على سبيل المثال .

المرفوعات إلى النبي صلى الله عليه وسلم : 

والكلام فيها يطول بعض الشيء نظرا لأن البخاري  أكثر منها في صحيحه ، ولكن توظيفه لها في صحيحه يدل بلا شك على فقه البخاري  وحسن صناعته الحديثية ، وبداية فإن المعلقات في صحيحه بلغت (1341) ، كثير منها موصول في موضع آخر من الكتاب ، وفي كتب أخرى صنفها مثل قول ابن أبي مليكة  : أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ، وما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل . فقد علقه البخاري في صحيحه ورواه في التاريخ الكبير (5/137) . وقد ألف الحافظ ابن حجر  كتابا في وصل الباقي وهو (159) وسماه : تغليق التعليق وأضاف إليها المتابعات والموقوفات ، ومعلقات البخاري  تنقسم إلى قسمين :

المعلقات بصيغة الجزم :

وقد قسم الشيخ سعد بن عبد الله الحميد حفظه الله (في سلسلته القيمة مناهج الأئمة) المعلقات بصيغة الجزم إلى قسمين :

ما أورده البخاري متصلا في موضع آخر :  فهو  يلجأ إلى هذا لعدة دوافع من أبرزها :

أنه يكره إيراد الحديث بنفس الإسناد (وهذا ما أكد عليه الحافظ ، حيث قال بأنه لا يوجد في كتاب البخاري  حديث على صورة واحدة في موضعين فصاعدا إلا نادرا) ، فإذا كان الحديث عنده بأسانيد متعددة ، فإنه يكرر الحديث بإسناد مختلف في كل مرة ، ولكنه في حالتنا هذه لا يملك إلا إسنادا واحدا لهذا الحديث ، فيورده بإسناده في باب ، ثم يورده معلقا في الأبواب الأخرى التي تتعلق بهذا الحديث ، وهذا ما يعبر عنه العلماء  بـ (ضيق المخرج) .

 

أنه ربما رواه في مختصرا في هذا الموضع من كتابه (أي أنه تصرف في المتن) ، فينبه على صنيعه هذا بحذف سند الحديث وإيراده معلقا بصيغة الجزم .

 

أنه ربما كرر الحديث بما فيه الكفاية ، فيكره ذكر الحديث مسندا في هذا الموطن رغم عدم ضيق مخرجه عنده ، فما زال لهذا الحديث طرق أخرى عنده ، ولكنه فضل عدم ذكرها لما سبق ذكره .

 

ما لم يخرجه في صحيحه : 

ربما كان الحديث على شرطه  ، ولكنه لم يخرجه كراهة التطويل (كما نص  ) .

ربما كان الحديث على شرطه  ، ولكنه ساعة تصنيفه لا يحضره اسناد تلقى به هذا الحديث عن شيوخه وربما شك في تلقيه هذا الحديث عن شيوخه ، ومن أبرز الأمثلة على هذا حديث تعليم الشيطان فضل آية الكرسي لأبي هريرة رضي الله عنه ، حيث علق البخاري  هذا الحديث بصيغة الجزم ، ولكن الإشكال هنا أنه علقه على شيخه عثمان بن الهيثم  ، وهذا ما جعل البعض يعتقد أن البخاري أخرجه مسندا ، وخاصة أن مسلم  قد خرجه في صحيحه ، فقال : قال : عثمان بن الهيثم  قال : حدثنا عوف الأعرابي قال : حدثنا محمد بن سيرين قال : حدثنا أبوهريرة رضي الله عنه : الحديث ،  فلم يجزم البخاري هنا بسماع هذا الحديث من شيخه ، ولكنه في نفس الوقت يعلم يقينا أن شيخه قد حدث بهذا الحديث ، فعلقه في 3 مواضع في صحيحه .

ربما كان هذا الحديث صحيحا ولكنه ليس على شرطه ، فتعمد وضعه على صورة المعلق لينبه على ذلك وهذا ما اختاره الحافظ  ومن الأمثلة على ذلك :

حديث الملاهي : وهو حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري رضي الله عنه مرفوعا : (ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) ، وقد حصل فيه خلاف شهير بين ابن حزم من جهة وجماهير أهل العلم  من جهة أخرى ، فقال ابن حزم  بأن هذا الحديث منقطع لأن البخاري علقه على شيخه هشام بن عمار  فقال : قال : هشام بن عمار ، ولم يقل حدثنا ، ورد عليه العلماء  بأن الحديث صحيح ولكنه ليس على شرط البخاري ، ومما يؤيد هذا أن الحديث ثابت من طرق أخرى عن هشام بن عمار  وقد توبع هشام  على هذا الحديث ، ورواه الطبراني ، وقال ابن كثير في اختصار علوم الحديث : (وقد رواه أحمد في مسنده ، وأبوداود  في سننه ، وخرجه البرقاني  في صحيحه ، وغير واحد ، مسندا متصلا إلى هشام بن عمار  وشيخه أيضا ) .

حديث عائشة رضي الله عنها : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) ، فالحديث صحيح ، وقد أخرجه مسلم  في صحيحه ، وعلقه البخاري لأنه ليس على شرطه .

 

ربما كان الحديث صحيحا ولكن البخاري  أورده للاستشهاد لا للاعتماد ، ويكون قد سمعه في مجلس المذاكرة ، ومن المعلوم أن المحدثين لا يهتمون بإيراد الأسانيد والمتون كاملة في مجالس المذاكرة ، فاحتاط البخاري من هذا بتعليق الحديث ، وهذا قول بعض المغاربة  .

 

ربما سمع البخاري  هذا الحديث عرضا ومناولة ، وهذا أقل رتبة من تحديث الشيخ ، وإن كان الحاكم  قد قال بأن هذا إسماع عند كثير من المتقدمين ، وحكوه عن مالك والزهري وربيعة بن عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري  من أهل المدينة وحكي أيضا عن بعض أهل مكة ، كمجاهد وأبي الزبير  ، وحكي عن الشعبي وقتادة وابن وهب والقاسم  وغيرهم ، وهذا الرأي ذهب إليه الحافظ أبو جعفر بن حمدان  في تأويله لصنيع البخاري  .

 

ربما كان الحديث حسنا أو حسنا لغيره ، وهذا بطبيعة الحال خارج عن شرطه .

ربما جزم بهذا القول عن أحد من الناس ، ولكن هذا لا يقتضي تصحيحه لهذا الحديث ، فهو يكفل لك صحة الحديث إلى من علقه عليه ، وعلى الباحث أن ينظر في باقي السند ليتأكد من توفر شروط الصحة فيه قبل أن يجزم بصحته ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، قوله  في كتاب الزكاة : قال طاووس  عن معاذ رضي الله عنه ، فطاووس لم يدرك معاذا رضي الله عنه ، فكأن البخاري  بتعليقه لهذا الحديث يلفت النظر إلى هذا الإنقطاع .    

 

 

 

المعلقات بصيغة التمريض :

يقول ابن الصلاح  : (وما كان منها (أي المعلقات) ، بصيغة التمريض ، فلا يستفاد منها صحة ، ولا تنافيها أيضا ، لأنه قد وقع من ذلك كذلك ، وهو صحيح ، وربما رواه مسلم  ) .

وقد ذكر الشيخ الحميد حفظه الله 4 احتمالات لصنيع البخاري  في هذا الأمر وهي أنه :

 

ربما كان الحديث صحيحا ، بل وأورده البخاري  في موطن آخر من صحيحه مسندا كأصل محتج به ، ولكنه في الموطن الذي علقه فيه بصيغة التمريض ، رواه بالمعنى أو تصرف في متنه باختصار أو نحوه ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، حديث الرقيا بفاتحة الكتاب ، وهو حديث قصة سعيد الخدري رضي الله عنه لما رقى سيد القوم الذين امتنعوا عن ضيافتهم بفاتحة الكتاب لما لدغ ، حيث أورده مسندا في موضع ، ثم علقه بصيغة التمريض في موطن آخر فقال : ( ويذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم) ، لأنه في هذا الموطن تصرف في معناه ، لأن الحديث لم يذكر فيه صراحة أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الرقيا كانت بفاتحة الكتاب ، وإنما جاء هذا ضمن الحديث .

 

ربما كان الحديث صحيحا ، بل وأخرجه مسلم  في صحيحه ، ولكن البخاري  يرى أنه غير صحيح ، وهذا ما يؤيد قول ابن الصلاح  السابق .

 

ربما كان الحديث مرويا بإسناد ضعيف ، ولكن له ما يجبره .

 

ربما كان الحديث ضعيفا لا يصح ، وهذا ينص عليه البخاري في الغالب ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك حديث النهي عن التطوع في نفس المكان الذي صليت فيه الفريضة ، حيث قال  : ويذكر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتطوع المصلي في المكان الذي صلى فيه ، فقد عقبه بقوله : (ولا يصح) ، وهذا الحديث عند أبي داود بإسناد فيه مجهول .

 

وهناك احتمال خامس ، ذكره د/ عادل عبد الغفور حفظه الله (عميد معهد علوم القرآن والحديث بالقاهرة) ، وهو أن البخاري  قد ذكر هذا الحديث معطوفا على رواية ضعيفة .       

 

وبعد الإنتهاء من مسألة المعلقات ولله الحمد ، تأتي مسألة أخرى برز فيها الإختلاف بين الشيخين  ، وهي مسألة تراجم الأبواب وتفصيلها كالتالي :

التراجم عند مسلم  :

لم يترجم مسلم  لأبوابه ، ولكن العلماء  وضعوا تراجم لأبوابه ، ومن أهم من اعتنى بذلك النووي  في شرحه للصحيح ، والقاضي عياض  ، والحافظ المنذري  ، والقرطبي  ، وقد مال الشيخ الحميد حفظه الله إلى تفضيل تراجم القرطبي في اختصاره وشرحه لصحيح مسلم ، حيث اختصر الكتاب أولا بتجريد الأحاديث من أسانيدها ، ثم شرح هذا المختصر ، ويعلق الشيخ الحميد حفظه الله على تبويبات القرطبي ، بأنه تأثر في بعض المواضع بتراجم أبي نعيم في مستخرجه ، وأما تراجم النووي رحمه الله ، فيقول عنها الشيخ بأن فيها شيئا من الطول .

 

التراجم عند البخاري  : 

وهي تحتاج إلى بعض الإسهاب ، كمسألة المعلقات عند البخاري  ، وقد لخص الشيخ الحميد حفظه الله صنيع البخاري  في تراجمه في 3 نقاط :

أن البخاري  يورد آيات الأحكام في أول أبواب كتابه ، ويوزعها بحسب تناسبها مع أبوابها ، فكأنه  يجعلها أصلا ، لأن القرآن لا نزاع في ثبوته ، ثم يورد ما صح من الأحاديث على شرطه وما يمازجها من المتابعات والموقوفات .

 

أنه في بعض الأحيان يورد المعلقات في بعض الأبواب ، ويجرده من الأحاديث المسندة ، وهذا دليل على أنه لا يثبت في الباب شيء عنده ، ولكننا لا نستطيع أن نجزم بذلك ، لأنه قد توجد أحاديث صحيحة في هذه الأبواب ، بل وصححها البخاري  خارج الصحيح ولكنه لم يوردها في الصحيح لأنها خارج شرطه .

 

أنه في بعض الأحيان ، يذكر الترجمة ويجرد الباب تماما من أي حديث ، ويقع الإشكال إذا ما أتبع هذه الترجمة المجردة بباب لم يترجم له ، فيأتي بعض النساق ويركب هذه الترجمة المجردة على ذلك الباب غير المعنون رغم انعدام الصلة بينهما ، وهذا بلا شك يسبب حيرة كبيرة لمن أراد معرفة المناسبة بينهما ، وهذا كما يقول الحافظ ابن حجر  التفسير المقبول لوجود بعض الأحاديث التي لا تظهر لها مناسبة مع أبوابها .   

 

وقد تكلم الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله في بحثه المختصر عن صحيح البخاري ، عن مسألة التراجم فقال :

وصف الحافظ ابن حجر تراجم صحيح البخاري بكونها حيّرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار, وبكونها بعيدة المنال منيعة المثال انفرد بتدقيقه فيها عن نظرائه واشتهر بتحقيقه لها عن قرنائه وقد فصّل القول فيها في مقدمة الفتح وذكر أن منها ما يكون دالا بالمطابقة لما يورده تحتها .

وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو بعضه أو معناه .

وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام حيث لا يجزم بأحد الاحتمالين ، وقد أفاد ابن حجر والعيني بأن معنى قول البخاري في ترجمته لحديث أنس رضي الله عنه : كان قرام لعائشة ، سترت به جانب بيتها ، ...... الحديث ، : باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته ؟ وما ينهى عن ذلك ، هو استفهام على سبيل الإستفسار ، جرى البخاري في ذلك على عادته ، في ترك القطع في الشيء الذي فيه اختلاف لأن العلماء اختلفوا في النهي الوارد في الشيء ، فإن كان لمعنى في نفسه ، فهو يقتضي الفساد فيه ، وإن كان لمعنى في غيره فهو يقتضي الكراهة أو الفساد ، فيه خلاف . (القول المبين في أخطاء المصلين ص49_50) . 

وكثيرا ما يترجم بأمر لا يتضح المقصود منه إلا بالتأمل كقوله: "باب قول الرجل ما صلينا" فإن غرضه الرد على من كره ذلك .

وكثيرا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه .

أو يأتي  بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحا في الترجمة ويورد في الباب ما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي .

وربما اكتفى أحيانا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه وأورد معه أثرا أو آية فكأنه يقول لم يصح في الباب شيء على شرطه ، لهذه الأمور وغيرها اشتهر عن جمع من الفضلاء قولهم: "فقه البخاري في تراجمه". 

 

مسألة : من أول من ألف في الصحيح ؟

المشهور المعتمد عند العلماء  ، أن البخاري  هو من ألف في الصحيح المجرد ، ولكن الحافظ مغلطاي ، ذهب إلى أن الدارمي  هو أول من ألف في الصحيح المجرد ، وقد رد عليه الحافظ ابن حجر  بقوله بأن سنن الدارمي  لا يمكن اعتبارها من كتب الصحيح المجرد ، لأن مؤلفها لم يشترط ذلك ، فهي أقرب إلى كتب السنن منها إلى كتب الصحاح المجرد ، وذهب مغلطاي في قول آخر له نقله الدكتور عبد العزيز عزت في رسالته (الإمام ابن ماجة صاحب السنن) ، إلى أن أول من صنف الصحيح هو مالك ، وعلق الحافظ  على هذا بقوله : كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الإحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما ، ويعلق الحافظ السيوطي  في تنوير الحوالك على قول الحافظ بقوله : فيه من المراسيل ، فإنها مع كونها حجة عنده (أي عند مالك ) ، بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة على الإحتجاج بالمرسل ، فهي حجة أيضا عندنا ، لأن المرسل عندنا حجة إذا اعتضد ، وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد ، فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح كله لا يستثنى منه شيء ، ومن الجدير بالذكر في هذا الموطن أن مراسيل مالك ، وإن لم تعضد ، هي من المراسيل القوية ، حتى قدمها بعض العلماء على مراسيل طبقة التابعين ، التي تعلو طبقة مالك  ، وذلك لشدة تحريه ، وتقدمه على من سواه في معرفة أحوال رواة أهل المدينة .

وممن تكلم في هذه المسألة ، الصنعاني  في توضيح الأفكار حيث قال : أول من صنف في جمع الصحيح البخاري وهذا كلام الشيخ ابن الصلاح  ، قال الحافظ  إنه اعترض عليه الشيخ مغلطاي  فيما قرأه بخطه فإن مالكا أول من صنف الصحيح وتلاه أحمد بن حنبل وتلاه الدارمي ، قال : وليس لقائل أن يقول لعله أراد الصحيح المجرد فلا يرد كتاب مالك لأن فيه البلاغ والموقوف والمنقطع والفقه وغير ذلك لوجود ذلك في كتاب البخاري ، ولكن الرد المتبادر إلى الذهن في هذه المسألة ، أن هذه المقطوعات أصل عند مالك  ، بينما هي ليست كذلك عند البخاري  ، فهي خارج شرطه . 

 

مسألة : الثلاثيات عند البخاري  :

اشتهر البخاري  من بين أصحاب الكتب الستة ، بإكثاره من الأحاديث الثلاثية ، وقد ذكر الدكتور عبد العزيز عزت أنها 22 حديثا ، وغالبها من طريق مكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، وقد جمعها الحافظ ابن حجر  في مصنف مستقل ، وأما مسلم  فإنه لم يخرج أي حديث ثلاثي في صحيحه ، وأعلى أسانيده رباعية ، ونزول سنده النسبي هو ما شجع كثيرا من المستخرجين على استخراج أحاديث كتابه من طرق لهم بأسانيد أعلى .

 

مسألة :  إذا ساق البخاري الحديث عن أكثر من شيخ له ، فاللفظ للأخير ، كما أشار إلى ذلك الحافظ رحمه الله في الفتح ، ويعلق الشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله بأن هذه القاعدة أغلبية استنبطها الحافظ بإستقراءه وتتبعه ، لأن لها بعض الشواذ ، كحديث قال فيه البخاري : أخبرنا يونس ومعمر ، فطبقا للقاعدة يكون معمر هو صاحب اللفظ ، ولكن الحافظ يعلق في الفتح بقوله : أما باللفظ فعن يونس ، وأما بالمعنى فعن معمر .

 

مسألة : الزيادات على الصحيحين :

وممن تعرض لهذه المسألة بالتفصيل الشيخ عبد الرحمن الفقيه حفظه الله ، حيث بدأ بذكر تعريف الزوائد والزيادات والفرق بينهما فقال حفظه الله :

عرَّف الكتاني  كتب الزوائد بأنَّها :
الأحاديث التي يزيد بها بعض كتب الحديث على بعض آخر معيَّن .
وذكر حفظه الله تعريف الدكتور خلدون الأحدب :
علمٌ يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مصنَّف رويت فيه الأحاديث بأسانيد مؤلفه ، على أحاديث كتب الأصول الستة أو بعضها من حديث بتمامه لا يوجد في الكتب المزيد عليها ، أو هو فيها عن صحابي آخر ، أو من حديث شارك فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم ، وفيه زيادة مؤثرة عنده .
ويستخلص من التعريفين السابقين عدّة نقاط:
أولاً : أنَّ المراد بالزوائد أحاديث زائدة في كتاب على كتاب آخر، وهذه الزيادة مطلقة، وقد تكون الزيادة في سند أو متن حديث اشتركا في إخراجه وهذه الزيادة نسبية .
ثانيا ً: أنَّ مؤلف الكتاب الذي احتوى على الزوائد لا علاقة له بمؤلف الكتاب المزيد عليه، فتأليف كل واحد منهما لكتابه استقلالاً.
ثالثاً : أنَّ إبراز زوائد الكتاب المزيد عليه جاء في فترة متأخِّرة ومن إمام متأخر عنهما.
وتتجلَّى هذه النقاط واضحة في استعراض المؤلفات في الزوائد، وهي كثيرة أقتصر على ذكر بعضها ، وهي :
1
ـ مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (ت273هـ):
يعني على الكتب الخمسة المشهورة (صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي).
ومؤلفه هو الحافظ شهاب الدِّين أحمد بن أبي بكر البوصيري (ت840هـ).
2
ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد:
وهو زوائد مسند الإمام أحمد (ت241هـ) ، وأبي يعلى الموصلي (ت307هـ) ، والبزار ، ومعاجم الطبراني الثلاثة ، الكبير والأوسط والصغير (ت360هـ) ، على الكتب الخمسة السابقة إضافة إلى سنن ابن ماجه وهي ما تُعرف بالكتب الستة.
ومؤلفه هو الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت807هـ) .
3
ـ المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية:
وهو زوائد مسند الطيالسي (ت204هـ)، والحميدي (ت219هـ)، ومسدد (ت228هـ)، وابن أبي عمر (ت243هـ)، وأحمد بن منيع (ت244هـ)، وابن أبي شيبة (ت235هـ)، والحارث بن أبي أسامة (ت282هـ)، وعبد بن حميد (ت249هـ) على الكتب الستة .
ومؤلِّفه الحافظ شهاب الدِّين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت852هـ) .
هذا فيما يتعلَّق بالزوائد ، أما الزيادات ، فلم أقف على مَّن تعرَّض لها بتعريف يُحدِّدها، لكن من خلال النظر في عمل أصحاب الزيادات يُمكن أن أقول (أي الشيخ عبد الرحمن الفقيه حفظه الله) إنَّها:
الأحاديث التي يرويها راوية كتاب ما على مؤلف ذلك الكتاب ، إمَّا استخراجاً عليه ، فيلتقي معه في شيخه أو شيخ أعلى ، أو استقلالاً بإيراده حديثاً مختلفاً في سنده ومتنه .
والفرق بينها وبين المستخرجات أنَّ شرط الزيادات أن تكون من راوية ذلك الكتاب عن مصنِّفه ، في حين أنَّ مؤلفي المستخرجات ليسوا من رواة الكتاب المستخرج عليه ، ثم إنَّه لا يُشترط في ذلك الراوي أن يكون تلميذا مباشرا للمؤلف بل قد تكون الزيادات من تلميذ أنزل منه ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، زيادات عبد الله بن أحمد  على مسند أحمد  ، وهو تلميذ مباشر له ، وزيادات أبي بكر القطيعي  على نفس الكتاب ، رغم أنه ليس تلميذا مباشرا لأحمد  ، وإنما هو تلميذ لإبنه عبد الله  ، ثم شرع الشيخ الفقيه حفظه الله في سرد بعض الأمثلة على الزيادات ، ومن أبرزها ، الزيادات على الصحيحين :

أولا: صحيح الإمام البخاري   :
وعليه زيادات محمد بن يوسف الفربري راوية الكتاب عن البخاري .

ثانيا ً: صحيح الإمام مسلم  :
وعليه زيادتان:
أ ـ زيادات أبي إسحاق إبراهيم بن سفيان ، راوية الكتاب عن مسلم .
ب ـ زيادات أبي أحمد محمد بن عيسى الجُلودي ، راوية الكتاب عن ابن سفيان .

 

 

ويأتي بعد الصحيحين ، سنن النسائي وهو مقدم على بقية السنن وعلى صحيحي ابن خزيمة وابن حبان  ، مع ملاحظة أن هذا في الأحاديث التي لم ينتقدها النسائي وأما الأحاديث التي ينتقدها النسائي فقد أخرجها النسائي من دائرة الصحة بإعلاله لها ، وقد قال الحافظ  في نتائج الأفكار بأن سكوت النسائي  عن الحديث يقتضي أن الحديث لا علة له عنده .

هل سنن النسائي (المجتبى) كتاب في الصحيح ؟

اختلف العلماء  في هذه المسألة على قولين :

القول الأول :

أن كتاب المجتبى كتاب صحيح واستدل من ذهب لهذا الرأي بما يلي :

تسمية الحافظ أبو علي بن السكن والخطيب وابن مندة وأبو علي النيسابوري كتاب النسائي  بالصحيح ، وكذا قال ابن عدي  عندما ذكر رجلا خرج النسائي حديثه فقال : (خرج له النسائي  في صحاحه) فوصف السنن بالصحاح ، وقال ابن رشيد رحمه الله : كتاب النسائي أفضل كتب السنن ، ويعلق الشيخ الحميد حفظه الله على هذا الرأي بقوله : إن صح ذلك ، فإن هذا يعني المقدار الذي أخرجه من الصحيح ، مع تنبيهه على الضعيف ، (فخرج بذلك من عهدته) ، وأما أن يقال بأنها كلها صحيحة ، فهذا فيه نظر .

نقل ابن الأحمر  عن النسائي  قوله بأن كتابه السنن الصغرى صحيح ، وقد ذكر السيوطي  هذا القول بلا إسناد ، وسماه الذهبي  بالصحيح في تذكرة الحفاظ ، وكذا ابن عدي (كما تقدم) والخطيب وأبو أحمد الحاكم 

أن النسائي  جرد السنن الكبرى من الأحاديث غير الصحيحة ، وذهب الحافظ الذهبي  إلى أن المجتبى هو ما انتخبه ابن السني (تلميذ النسائي) من السنن الكبرى ، ويأتي الكلام على هذه المسألة بالتفصيل إن شاء الله ، وأيا كان الأمر فإن هذا يؤيد الرأي القائل بأن أحاديث المجتبى (أي السنن الصغرى) منتقاة من السنن الكبرى وعلى هذا يكون كل ما فيها صحيح

أن كتاب المجتبى أقل السنن حديثا ضعيفا ورجلا مجروحا ودرجته بعد الصحيحين فهو من حيث الرجال مقدم على سنن أبي داود والترمذي لشدة تحري مؤلفه في الرجال ، وقد قال الحافظ : (كم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي   تجنب النسائي  إخراج حديثه ، بل تجنب إخراج حديث جماعة في الصحيحين) ، ولما ذكر ابن طاهر  لشيخه سعيد الزنجاني  أنه وجد النسائي  أعرض عن رجال خرج لهم في الصحيحين ، قال له سعيد : يا بني ، إن للنسائي شرط في الرجال أشد من شرط البخاري ، ويعلق الشيخ السعد على هذه الرأي ، بقوله إن فيه نوعا من المبالغة ، فلا شك في أن صحيح البخاري أصح وأعلى شرطا من سنن النسائي  ، وللدارقطني جزء صغير في الرجال الذين خرج لهم البخاري  وأعرض عنهم النسائي كإسماعيل بن أبي أويس ، وبالجملة فشرط النسائي في المجتبى هو أقوى الشروط بعد الصحيحين . (مذكرة مصطلح الحديث للشيخ ابن عثيمين  ص39 ، مكتبة العلم) .

 

وقد مال الشيخ السعد حفظه الله إلى إطلاق هذه التسمية على سنن النسائي وقال بأن نسبة كبيرة جدا من أحاديث المجتبى صحيح ، وعليه فلا مانع من إطلاق هذا الوصف على المجتبى .

 

القوال الثاني :

أما أصحاب الرأي المخالف فقد ردوا بما يلي :

قالوا بأن في السنن الصغرى أحاديث ضعيفة ، ومعللة ومنكرة ، وممن ذهب إلى ذلك ابن كثير في اختصار علوم الحديث ، وأنكر ابن كثير  القول بأن له شرطا في الرجال أشد من مسلم  وقال بأن في السنن الصغرى رجالا مجهولين : إما عينا أو حالا ، وفيهم المجروح ، وقد قال هذا في معرض رده على الحافظ أبي علي بن السكن والخطيب  . (الباعث الحثيث ص44 ، طبعة مكتبة السنة) .  

وأما بالنسبة لتجريد السنن الكبرى من الأحاديث غير الصحيحة فإن هذا غير مسلم به ، لأن بعض الكتب الموجودة في الكبرى قد حذفت بأكملها ككتاب التفسير وكتاب الأذكار ، وبعض الكتب أدرجت في السنن الصغرى كاملة بما فيها من الأحاديث الضعيفة والمعلولة .

 

وأما القول بأن شرطه في المجتبى في الرجال أعلى من شرط مسلم ، فقد سبق الرد عليه ، وإن كنا نسلم بأن شرط النسائي  في الرجال (عموما وليس في المجتبى إذا ما قورن بصحيح مسلم ) ، أعلى من شرط مسلم  ، وجدير بالذكر أن الذهبي والسبكي  قد قدما النسائي  على مسلم  في الصناعة الحديثية ، وهذا ما مال إليه الشيخ السعد حفظه الله .

 

ومن الأمور الجديرة بالذكر أن قول ابن حجر  بأن سكوت النسائي  عن الحديث يقتضي أن الحديث لا علة له عنده يشمل كتابي السنن الكبرى والصغرى ، وقد توسع النسائي  في شرح العلل في الكبرى وخاصة في كتابي (عمل اليوم والليل وعشرة النساء) ، حتى عده بعض أهل العلم من كتب العلل ، وهو  ، لا يصرح بتعليلاته ، وإنما يسوق الروايات بقصد تعليل الأخبار ، فيعلل بسرد الروايات .

 

مسألة : أسانيد النسائي رحمه الله :

أسانيد النسائي بشكل عام ، أسانيد عالية ، فقد روى عن قتيبة بن سعيد وأبي داود وابن راهويه ومحمد بن بشار ، وهذا راجع لتبكيره بالسماع ، ومن الملاحظات المهمة في سنن النسائي  ، أنه لا يوجد فيها أي حديث ثلاثي الإسناد ، وأعلى أسانيدها رباعي ، وربما كان هذا ناتجا من شدة تحريه ، حتى أنه ترك حديث ابن لهيعة  من طريق قتيبة  ، وهي طريق عالية ، كما نبه إلى ذلك الدارقطني ، والأحاديث النازلة عند النسائي رحمه الله هي الأحاديث العشارية ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، حديث أبي أيوب رضي الله عنه في فضل قراءة سورة الصمد ، حيث قال عنه النسائي رحمه الله : لا أعرف في الدنيا إسنادا أطول من هذا الإسناد ، والسبب أن في سنده 6 أو 7 من التابعين ، يروونه عن بعضهم البعض .

   

 

مسألة : سماع النسائي من البخاري رحمه الله :

اختلف العلماء ، كما يقول الشيخ سعد الحميد حفظه الله ، في هذه المسألة على قولين :

أنه لم يسمع من البخاري ، كما ذهب إلى ذلك المزي رحمه الله ، حيث قال بأن رواية النسائي عن محمد بن إسماعيل (البخاري) ، هو تصرف من بعض الرواة .

أنه سمع منه ، وهذا رأي السخاوي رحمه الله .

 

مسألة : روايات سنن النسائي رحمه الله :

أبرزها رواية ابن سيار ورواية ابن الأحمر ، وهما أندلسيان .

 

مسألة : تقسيم ابن طاهر المقدسي رحمه الله لأحاديث سنن النسائي :

أحاديث مخرجة في الصحيحين ، وهي الأكثر .

أحاديث على شرط الشيخين ، ولم يخرجاها .

أحاديث معللة خرجها النسائي ، وبين عللها ، بطريقة يفهمها أهل الصنعة ، كقوله على سبيل المثال : ذكر اختلاف الناقلين لهذا الخبر عن فلان ، ويكون هذا الراوي هو الذي تدور عليه أسانيد الحديث .

 

 

 

مسألة : هل السنن الصغرى من انتخاب النسائي رحمه الله ؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين ، وقد سبق ذكر طرف من هذا الخلاف ، عند الكلام على صحة أحاديث سنن النسائي ، ونعرض هنا لهذه المسألة بالتفصيل ، إن شاء الله :

فقد ذهب الحافظ الذهبي  إلى أن المجتبى هو ما انتخبه ابن السني (تلميذ النسائي) من السنن الكبرى ، ووافقه على هذا الرأي ابن ناصر الدين الدمشقي ، وظاهر صنيع المنذري في شرحه لسنن أبي داود ، والمزي في تحفة الأشراف وتهذيب الكمال ، يؤيد هذا الرأي ، فالمنذري إذا عزا حديثا للنسائي فإنه يعزوه للكبرى ، والمزي ، خرج أحاديث الكبرى في التحفة ، وعندما تكلم على رجال النسائي في تهذيب الكمال ، تكلم على رجال الكبرى ، وهذا بمفهومه يدل على أنهما يريان أن الكبرى هي سنن النسائي التي صنفها ، بينما الصغرى هي انتخاب ابن السني ، ومما استند إليه أصحاب هذا الرأي هو تكرار لفظ : "قال ابن السني" ، وهذا ليس بمستند قوي لأن طريقة المتقدمين في التصنيف يذكر فيها الراوي في أصل الكتاب ، كما في مسند أحمد (فيما عدا زيادات ابنه عبد الله "راوي المسند") ، حيث نجد لفظ "حدثنا عبدالله ، قال : حدثنا : أبي ، وكذا في كتاب "الأم" للشافعي ،  وأما ابن الأثير وابن كثير والعراقي والسخاوي فاعتمدوا في تأييد هذا الرأي على حكاية فيها أن أمير الرملة طلب من النسائي انتخاب الصحيح من الكبرى ، وهي حكاية منقطعة لاتصح ، وواقع المجتبى يؤيد عدم صحتها ، ففيه أحاديث ضعيفة ، ومعللة ، ومنكرة ، فكيف يطلب منه انتخاب الصحيح ، ومع ذلك ينتخب أحاديث كثيرة معلولة ضمن المجتبى ، بل إن بعض أحاديثه ، أعلها بنفسه ، فعلى سبيل المثال :

نجد النسائي حكم على رجال بأنهم متروكون ، ومع ذلك خرجت أحاديثهم في المجتبى ، منهم : أيوب بن سويد الرملي ، وسليمان بن أرقم وإسماعيل بن مسلم وعبد الله بن جعفر ، وخرج أيضا في الصغرى لمصعب بن شيبة ، وقد قال فيه : منكر الحديث ، وخرج لأبي ميمون ، وقد قال فيه : لا أعرفه ، وعلى الجانب الآخر نجد أحاديث صحيحة في الكبرى لم ينتخبها النسائي في المجتبى ، وهذا عكس المقصود من حكاية أمير الرملة .

ومن الأدلة التي استدل بها من قال بأن النسائي هو مصنف المجتبى ، هو أنها جاءت من رواية ابن السني عن النسائي ، والرد على ذلك ، أننا نجد كثيرا من الكتب الحديثية التي لها أكثر من رواية ، يحصل في رواياتها اختلاف بالزيادة أو النقص ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

روايات موطأ مالك ، كرواية يحيى بن يحيى الليثي ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، وغيرها ، وهذا الأمر ينطبق أيضا على السنن الكبرى ، ففي كل رواية لها ما ليس في الأخرى ، بل قد يصل الأمر إلى زيادة رواية على الأخرى كتبا بأكملها ، وممن أشار إلى هذا المزي رحمه الله في تحفة الأشراف ، حيث يعزو الحديث الذي يذكره من سنن النسائي في التحفة إلى الرواية التي خرجت هذا الحديث ، فيقول على سبيل المثال : هذا من رواية ابن الأحمر ، وهذا من رواية ابن سيار ، وهكذا ، وعليه ، فليس يبعد أن المجتبى هو أحد روايات الكبرى ، ترك فيها ابن السني رواية تلك الأحاديث والأبواب المحذوفة ، أو أنه انتخبها بنفسه . 

 

وهناك ملاحظة مهمة جدا ، وهي أن الإجتباء ليس على قاعدة منضبطة ، فقد حذفت من المجتبى كتب بأكملها ، كالتفسير وفضائل القرآن وفضائل علي وفضائل الصحابة ، رغم أن فيها أحاديث كثيرة صحيحة ، بل ومخرجة في الصحيحين ، فكيف يتركها النسائي ، وعلى الجانب الآخر نجد في المجتبى كتبا بأكملها ليست الكبرى ، كالصلح والإيمان وشرائعه ، وكذا نجد في المجتبى زيادات متون وأسانيد وتراجم أبواب (كباب النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة) ، واستنباطات فقهية ، ليست في الكبرى ، وهذا مما يؤيد أن المجتبى هو أحد روايات الكبرى .

 

والنسائي من المتشددين في الجرح ، فلا يخرج لمن اجتمع النقاد على ترك حديثه ، حيث قال : بأنه بأنه لا يترك حديث الرجل حتى يجمع أهل بلده على ترك حديثه ، وهذا من المواضع التي تظهر فيها أهمية مسألة بلدية الراوي ، وقد يخرج لمن اختلف في حاله ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك : تخريجه لحديث جابر رضي الله عنه ، في إرسال النبي صلى الله عليه وسلم عليا في موسم الحج من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم  ، وهو مختلف في حاله ، وقد أشار النسائي رحمه الله لهذا الإختلاف بقوله : وابن خيثم ليس بالقوي في الحديث ، ولم يتركه ابن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ، وقال ابن المديني رحمه الله : منكر الحديث ، وكأن ابن المديني خلق للحديث . اهـ ، فهذا راو مختلف في حاله ، ومع ذلك خرج له النسائي ، والراجح أنه صدوق حسن الحديث ، وقد يتركه كما ترك ابن لهيعة رغم أن حديث ابن لهيعة كان عنده من طريق قتيبة بن سعيد التي أثنى الإمام أحمد عليها ، وهذا يدل على شدة تحريه  ، وقد أثنى العلماء كأبي طالب أحمد بن نصر الحافظ على صنيعه هذا ، حيث قال  : من يصبر على ما يصبر عليه النسائي؟! عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة يعني عن قتيبة عن ابن لهيعة ، قال: فما حدث بها . وجدير بالذكر أن النسائي يوثق الطبقة المتقدمة من التابعين بإطلاق ، كما أشار إلى ذلك الشيخ المعلمي رحمه الله .  

والنسائي  شديد التحري في ذكر طريقة تحمله للحديث ، فعلى سبيل المثال ، عندما منعه الحارث بن مسكين  من حضور مجلسه لما أتاه في زي أنكره ، وكان الحارث خائفا من أمور تتعلق بالسلطان ، فخاف أن يكون عينا عليه ، فمنعه ، وقيل بأن الخلاف بينهما هو خلاف بين الأقران ، فكان النسائي يقعد خلف الباب ويسمع حديث الحارث  ومع ذلك لم يستجز أن يقول حدثنا ، وإنما قال : قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع ، كما ذكر ذلك ابن الأثير في أول جامع الأصول .

 

وأما بالنسبة للنسائي  فقد وصف ببعض التشيع ، وهذا لايضره  في شيء ، (وسيأتي الكلام على ذلك بالتفصيل عند الكلام على الحاكم ) ، وقد قيل بأنه  تعمد إظهار هذا التشيع أمام أهل الشام لما رأى منهم ميلا عن أهل البيت رضوان الله عليهم ، وكان هذا من أسباب تأليفه لكتاب (خصائص علي) ، فلما أنكر عليه تركه لفضائل الشيخين رضي الله عنهما ، ألف في فضائل الصحابة ، ولم يخرج في فضائل معاوية رضي الله عنه شيئا ، لأنه لم يصح عنده فيها شيء على شرطه ، (وقد وافق شيخه ابن راهويه في هذه المسألة) وكان هذا سبب منع أحمد بن صالح النسائي من حضور مجلسه ، ولذا لم يقبل العلماء كلام النسائي في أحمد بن صالح لما وقع بينهما من الخصومة نتيجة ذلك ، وقيل بأن أحمد بن صالح رحمه الله كان عسر الرواية ، لا يسمح لأحد بحضور مجلسه ، إلا إذا أتى برجلين يزكيانه ، فترك النسائي الرواية عنه .

وقد أشار العراقي إلى هذا في ألفيته فقال :

وربما رد الكلام الجارح         كالنسائي في أحمد بن صالح .

 

مسألة : أبرز مصنفات النسائي رحمه الله :

من أبرز مصنفاته ، بالإضافة إلى السنن ، كتاب الكنى ، ولم يصل إلينا ، وكتاب حديث مالك بن أنس ، وقد ذكر المزي رحمه الله أحاديثه في التحفة ، وذكر رجاله في تهذيب الكمال ، وينبه الشيخ الحميد حفظه الله في هذا الموضع ، إلى أن النسائي رحمه الله ، كان كلفا بتصنيف مسانيد للأئمة .

 

بعض معالم منهج النسائي رحمه الله في سننه :

أنه ربما وجد في الباب حديثا صحيحا ، فيخرجه ويخرج معه أحاديث ضعيفة ، تحوي زيادات لم يشتمل عليها هذا الحديث الصحيح ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك : حديث سعيد بن سلمة عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن أنس رضي الله عنه : (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن …) ، حيث علق النسائي رحمه الله بقوله : سعيد شيخ ضعيف ، وإنما أخرجناه للزيادة في الحديث .

اهتمام النسائي رحمه الله ، بالجوانب الفقهية ، وإن كان الترمذي رحمه الله يفوقه في هذه الجوانب .

وهو يشابه البخاري في تكراره للحديث في المواضع التي يصلح فيها الإستدلال به ، حتى قيل بأن كتابه هو أكثر الكتب تكرارا للحديث ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، حديث : (إنما الأعمال بالنيات …) ، حيث كرره 16 مرة .

وهو مقل من النقل عن الفقهاء ، ومن الأمثلة على ذلك ، نقله عن مسروق رحمه الله فتوى في الهدية والرشوة .

وهو يختصر الحديث أحيانا ، ويقتصر على موضع الشاهد منه ، وهو بصنيعه هذا ، يشابه البخاري وأبا داود وابن خزيمة .

والنسائي رحمه الله ، يعلق أحيانا على الحديث ، كما يظهر من صنيعه في كتاب المزارعة ، وقد يطول تعليقه حتى يصل إلى الصفحتين .

أنه رحمه الله يورد الأحاديث المتعارضة في الباب الواحد ، وهذا يعني أنه يرى العمل بكلا الرأيين ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، تخريجه لأحاديث الجهر وعدم الجهر بالبسملة .

تسميته لبعض المكنين ، كتسميته لأبي عمار : عريف بن حميد ، وتكنيته لبعض المسمين ، وقد سبق أن له مصنفا مستقلا في الكنى ، ولكنه مفقود .

وهو يحكم أحيانا على أحاديثه ، فيقول مثلا : حديث منكر ، ثابت ، ليس بمحفوظ ، صحيح ، …

كلامه على الرواة جرحا وتعديلا ، وقد جمعه أحد الباحثين المعاصرين في مصنف مستقل : (المستخرج من سنن النسائي في الجرح والتعديل) ، وقد أورد ابن حجر رحمه الله ، كلام النسائي في الرواة ، في تهذيب التهذيب ، وكلامه رحمه الله ، إما أن يكون في السنن أو في الضعفاء .

معظم أحاديث كتابه مسندة ، ولا يورد شيئا من المعلقات ، وينبه الشيخ الحميد حفظه الله ، إلى أن المقدار الذي وجد على صورة المعلق ، هو حديثان فقط .  

نبه الأخ أبو بيان حفظه الله ، (أحد أعضاء ملتقى أهل الحديث) ، إلى قاعدة مهمة في رجال النسائي ، ذكرها الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي صالح باذام :
قال عنه النسائي: (ليس بثقة) , قال الذهبي : كذا عندي , والصواب: (بقوي) , فكأنَّها تصَحَّفت ،
فإن النسائي لا يقول: (ليس بثقة) في رجل مُخَرَّج في كتابه ، سير أعلام النبلاء 5/37- 38.

   مسألة : إذا أطلق لفظ "رواه النسائي" ، فهل يعني هذا العزو إلى "الكبرى" أم "الصغرى" :

ذهب ابن الملقن إلى أن العزو في هذا اللفظ يكون "للكبرى" ، بينما ذهب السيوطي في "تدريب الراوي" ، إلى أنه يكون "للصغرى" .

 

 

 

 

وأما بالنسبة لصحيحي ابن خزيمة وابن حبان , فإن الغالب على كتابيهما الصحة ، والأحاديث المنقطعة عند ابن حبان  أكثر والضعفاء عنده أكثر (فهو  متساهل في توثيق المجاهيل ، وخاصة في طبقة التابعين ، لأن العدالة غالبة على طبقتهم ، وإنما يخشى فقط من سوء حفظهم) ، وأما ابن خزيمة  فكتابه أصح ، وإن كان  قد تساهل في بعض أحاديث الفضائل كما حدث في حديث علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان رضي الله عنه في فضيلة شهر رمضان : (أوله رحمة …) الحديث ، ويعتذر لإبن خزيمة  بأنه قال في تعليقه على إيراده لهذا الحديث : (إن صح هذا الخبر) ، وإذا أردنا أن نلقي نظرة سريعة على منهج الإمامين ابن خزيمة وابن حبان  في كتابيهما يتضح لنا ما يلي :

أنهما  من المتساهلين في توثيق الرواة ، وإن كان ابن خزيمة أحسن حالا من ابن حبان ، حيث أنهما اعتمدا قاعدة تنص على أن الأصل في الرواة العدالة حتى يثبت عكسها ، فمقياس العدالة عندهما إسلام الراوي ، كما ذكر ذلك الحافظ رحمه الله في لسان الميزان ، وهذا خلاف ما ذهب إليه الجمهور من أن العدالة قدر زائد على الإسلام .

أنهما اشترطا شروطا فيها لين ولكنهما وفيا بها في أغلب الأحيان ، خلاف الحاكم  الذي اشترط أعلى شروط الصحة بإستدراكه على الشيخين  ما فاتهما مما هو على شرطهما ، ولكنه لم يوف بما اشترطه ووهم  في أغلب الأحيان .

أن الحسن قسم من الصحيح عندهما وليس قسيما له وهذا ما يجعل الناقد يتوقف في قبول تصحيحهما إلا بعد دراسة السند دراسة وافية وهذا ما أكد عليه الحافظ  في النكت في معرض نقده لإبن الصلاح  .

ومن الملاحظ على صحيح ابن حبان ، أن ترتيبه مخترع ، فلا هو على الأبواب ولا هو على المسانيد ، ولهذا أسماه "التقاسيم والأنواع" ، والكشف على الحديث من كتابه هذا عسر جدا ، وقد رتبه الأمير علاء الدين أبو الحسن علي بن بلبان  وسماه "الإحسان في تقريب ابن حبان" .

 

وسوف أستعرض في هذا الموطن ، إن شاء الله ، ببيان موجز أهم ملامح منهجي ابن خزيمة وابن حبان  ، وإن كان هذا خارجا عن موضوع المحاضرات الأساسي ، لأنه أدعى إلى جمع المادة العلمية في موضع واحد ، وقد استفدتها من محاضرات الشيخ سعد الحميد حفظه الله ، وأبدأ إن شاء الله بإبن خزيمة  :

بداية لابد من التذكير بأن صحيحي ابن خزيمة وابن حبان  ومستدرك الحاكم  ، هي أهم ما ألف في الصحيح بعد الصحيحين ، ومن أبرز من أكد على ذلك ابن الصلاح والعراقي والسيوطي وأحمد شاكر  ، وذكر الخطيب البغدادي  أحق الكتب بالسماع فذكر الصحيحين ، ثم ذكر كتبا ، ثم قال : وكتاب محمد بن إسحاق  (أي ابن خزيمة) ، الذي اشترط فيه اخراج ما اتصل سنده بنقل العدل عن العدل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر السيوطي  في مقدمة جمع الجوامع ، الكتب التي إذا عزا إليها حديثا من الأحاديث ، فهو صحيح عنده ، وإن لم ينص على ذلك ، وذكر منها صحيح ابن خزيمة  ، وأكد ابن كثير  على جودة كتاب ابن خزيمة  في معرض ذكره للزيادات على الصحيحين في اختصار علوم الحديث فقال  : (وكتب أخر التزم أصحابها صحتها ، كابن خزيمة  وابن حبان البستي  وهما خير من المستدرك بكثير ، وأنظف أسانيد ومتونا) ، الباعث الحثيث ص38 .   

وقد سبق أن الشيخ السعد حفظه الله ، رجح صحيح ابن خزيمة  على صحيح ابن حبان  ، وهو بهذا يتابع جماهير أهل العلم ، وذلك لشدة تحري ابن خزيمة  حتى أنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد فيقول على سبيل المثال : (إن صح الخبر) ، (أو إن ثبت الخبر) ، ونحو ذلك من العبارات التي تبرأ بها ذمته ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك

 

حديث سلمان رضي الله عنه في فضائل شهر رمضان .

روى ابن خزيمة حديث الأعمش عن عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، ثم عقبه بقوله (لم يسمعه الأعمش عن أبي وائل ، ولم أكن وقفت عليه من قبل) .

روى حديثا عن محمد بن اسحاق عن محمد بن مسلم  ، ثم عقبه بقوله : أنا استثنيت صحة هذا الخبر لأني خائف أن يكون محمد بن إسحاق  لم يسمعه من محمد بن مسلم ، وإنما دلسه عنه .

روى حديثا لإبن لهيعة  مقرونا بجابر بن إسماعيل  ، ثم قال : ابن لهيعة ليس ممن أخرج له حديثا في كتابي هذا إذا انفرد به ، وإنما خرجت له هذا الحديث لأن معه جابر بن إسماعيل  ، رغم أن هذا الحديث من رواية عبد الله بن وهب  عن ابن لهيعة  ، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه ، ومع ذلك لم يحتج به ابن خزيمة منفردا ، فدل ذلك على أن ابن حزيمة  ممن يرى ضعف ابن لهيعة  قبل وبعد الإختلاط ، وإن كان ضعفه أشد بعد اختلاطه . وقد قال يحي معين : "كان ضعيفاً قبل الاختلاط وبعده". فجلّ الحفاظ على تضعيف حديثه مطلقاً بدون تفصيل، ولذلك قال أبو الحسن الدرقطني : "يعتبر برواية العبادلة عنه"، ما قال : "تُصحح" ، وإنما قال: "يُعتبر" يعني لأنهم سمعوا منه قبل أن تحترق كتبه . (أفاده الشيخ السعد حفظه الله في إجاباته على أسئلة رواد ملتقى أهل الحديث) .

روى حديثا لمحمد بن جعفر غندر  عن معمر عن الزهري قال : أخبرني سهل بن سعد رضي الله عنه ، ثم علق بقوله : في القلب من هذه اللفظة التي ذكرها محمد بن جعفر (أي أخبرني سهل بن سعد) ، وأهاب أن يكون وهما من محمد بن جعفر  أو ممن دونه .

وهنا لابد من طرح سؤالين :

هل يسلم لإبن خزيمة  بصحة كل ما أورده ؟ وهل هو فعلا مقدم على ابن حبان  ؟

وممن تعرض لإجابة السؤال الأول ، ابن حجر  في النكت (1/290) ، لما تعرض لعبارة ابن الصلاح : (مقتضى هذا أن يؤخذ ما يوجد في كتاب ابن خزيمة وابن حبان  وغيرهما ممن اشترط الصحة بالتسليم ، وكذا ما يوجد في المستخرجات) بالنقد ، فقال  :

لم يلتزم ابن خزيمة وابن حبان  بتخريج الصحيح الذي فيه شروط الصحة عند ابن الصلاح  ، لأنهما لا يريان التفرقة بين الصحيح والحسن ، (فالحسن عندهم قسم من الصحيح وليس قسيما له) ، وقد سمى ابن خزيمة  كتابه بـ : (المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير قطع في السند ولا جرح في النقلة) ، وهذه الشروط هي نفس شروط ابن حبان  لأنه تابع شيخه ابن خزيمة   على ذلك .

والناظر في صنيعهما يتضح له بأنهما احتجا بأصحاب الطبقة الثانية (كأسامة بن زيد الليثي ومحمد بن عجلان ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمرو بن علقمة ) ، ممن روى لهم مسلم  متابعة ولم يحتج بهم .، وهذا يؤدي بنا إلى صلاحية الإحتجاج بأحاديث ابن خزيمة  لأنها تدور بين الصحة والحسن ، ما لم تظهر فيها علة قادحة ، وأما القول بأنها استوفت شروط الصحيح الإصطلاحية فلا . وممن أكد على ذلك أيضا الحافظ ابن كثير حيث قال :كم في صحيح ابن خزيمة  من حديث محكوم منه بصحته وهو لا يرتقي عن رتبة الحسن .

ويلخص الشيخ الحميد حفظه الله الجواب عن هذه المسألة في عدة نقاط أبرزها :

أن أحاديث ابن خزيمة  أحسن حالا مما عداها إلا أحاديث الصحيحين .

أن نسبة الضعيف عند ابن خزيمة  ضئيلة جدا مقارنة بما فيه من الصحيح والحسن ، وإن كان في كتابه أحاديث شديدة الضعف ، مثل حديث فضائل شهر رمضان كما تقدم .

أن ابن خزيمة قد يخرج الضعيف ولكنه يخرجه لغرض من الأغراض وينبه على ذلك ، ويتوقف في الحكم على بعضه بالصحة .

وأما بالنسبة لإجابة السؤال الثاني ، فقد تقدم اختيار الشيخ السعد حفظه الله ، حيث قدم صحيح ابن خزيمة  على صحيح ابن حبان  ، وممن قال بهذا القول السيوطي ودرج عليه الشيخ أحمد شاكر ، وممن خالف فقدم ابن حبان  ، الشيخ شعيب الأرناؤوط ، حيث ذكر ذلك في مقدمة تحقيقه لصحيح ابن حبان ، بل قال بأنه يزاحم بعض الكتب الستة ، ويعلق الشيخ الحميد حفظه الله على هذا الرأي بقوله :

إن منهج الشيخ شعيب الأرناؤوط فيه شيء من التساهل في تصحيح الأحاديث ، ولذا فإن حكمه بأن غالب أحاديث ابن حبان  صحيحة على شرط الشيخين فيه نظر ، وهذا الحكم على ابن خزيمة  ، مع العلم بأن ثلاثة أرباع كتابه مفقودة ، وعليه فإن الأسلوب الأمثل للمقارنة بين صحيحي ابن خزيمة وابن حبان  ، هو المقارنة بين الجزء الموجود من صحيح ابن خزيمة (حتى نهاية كتاب الحج كما نبه إلى ذلك الدمياطي ) ، والجزء المقابل له عند ابن حبان  بعد استبعاد ما اتفقا على إخراجه ، وينظر فيما زاد كل منهما على الآخر مع ملاحظة بعض الإختلافات المنهجية بين الإمامين ، ومن أبرزها أن ابن خزيمة  يرى عدم تصحيح حديث الراوي الذي لا يعرف بعدالة أو جرح ، وإن أخرج لمن هذه صفته فإنه ينص على التوقف في الحكم على هذه الأحاديث بالصحة ، بينما يرى ابن حبان  تصحيح حديث من هذا حاله ، ويوافقه الشيخ شعيب ، ولعل هذا ما جعله يرجح ابن حبان على ابن خزيمة  .

ومن أبرز الملاحظات على ما انتقد على ابن خزيمة  ، أن بعض هذه الإنتقادات لا تلزمه لأن :

منها أحاديث يتوقف في الحكم عليها بالصحة ويبين السبب في ذلك ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

أنه أخرج لعاصم بن عبيد الله ، ثم قال : (أنا بريء من عهدة عاصم) ، وذكر أقوال العلماء فيه .

أنه أخرج لمعمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ، ثم قال : (أنا أبرأ من عهدة هذا الإسناد) .

أنه أخرج لكليب بن ذهل عن عبيد بن جبير ، ثم قال : (لست أعرفهما ولا أقبل دين من لا أعرفه بعدالة) .

أخرج عن ابن المطوف عن ابيه عن أبي هريرة رضي الله عنه : (من أفطر يوما في رمضان في غير رخصة رخصها الله لم يقضه عنه صوم الدهر) ، وأخرجه الحافظ في فتح الباري وقال صححه ابن خزيمة ، ثم أخذ يذكر علل الحديث ، وقد غلط على ابن خزيمة  لأنه لما أخرجه ، عقبه بالقول : (إن صح الخبر فإنني لا أعرف ابن المطوف ولا أباه) .

 

ومنها أحاديث أوردها لظنه أنها صحيحة ثم تبين له أنها معلولة ، فنص على ذلك ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

حديث الأعمش ، الذي تقدم ص26  .

أنه أخرج حديثا لموسى بن أبي عثمان عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ثم قال : (غلطنا في اخراج هذا الحديث لأنه مرسل ، فموسى لم يسمعه من أبي هريرة ، وأبوه روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أخبارا سمعها منه) .

ومنها أحاديث أوردها وهو يعرف ضعفها ، ولكنه أخرجها لكون الحديث عنده من غير هذه الطريق الضعيفة ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) ، فقد أخرجه من طريق ثوبان رضي الله عنه ، ثم أخرجه من طريق الحسن عن ثوبان رضي الله عنه وهي طريق منقطعة ، وقد نبه ابن خزيمة  على ذلك بقوله : (الحسن لم يسمع من ثوبان) ، فهي متابعة للطريق الأولى وليست أصلا يحتج به .

ومنها أحاديث يوردها قصدا لكونها تخالف ما ذهب إليه ثم يعلها ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

ما ذكره تحت الباب الذي ناقش فيه هل الحجامة تفطر الصائم أم لا ؟ حيث أورد أدلة المخالفين له ، وناقشها ، كحديث : (ثلاث لا يفطرن الصائم ، الحجامة والقيء والحلم ) ، حيث أورده من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم  عن أبيه عن عطاء بن يسار  عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ثم أعله لأنه ليس فيه عطاء وأبو سعيد ، وعبد الرحمن سيء الحفظ لا يحتج بحديثه .

وقد نبه الذهبي  إلى تمكن ابن خزيمة  من معرفة الرجال حيث قال  : كان (أي ابن خزيمة ) جهبذا بصيرا بالرجال ، ونقل عن أبي بكر محمد بن جعفر  (شيخ الحاكم ) قول ابن خزيمة  : (ولست أحتج بشهر (أي ابن حوشب) ، ولا بحريز بن عثمان لمذهبه (لأنه كان ناصبيا) ، ولا بعبد الله بن عمر (وهو أحد الرواة وليس الصحابي المشهور) ، ولا ببقية (أي ابن الوليد) ، ولا بمقاتل بن حيان ، ولا بأشعث بن سوار ولا بابن جدعان (علي بن زيد بن جدعان  وهو للضعف أقرب لسوء حفظه) ، ولا بعاصم بن عبيد الله ولا بمجالد (أي ابن سعيد) ولا بيزيد بن أبي زياد ، ولا بقابوس بن أبي ظبيان ، ولا بحجاج بن أرطأة (إذا قال عن ، لأنه مدلس ، وقد تكلم في حفظه) ، ولا بأبي حذيفة النهدي ، ولا بأبي معشر نجيح ، ولا بعمر بن أبي سلمة ، ولا بإبن عقيل (أي عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب  ، وهو متكلم في حفظه) ، قال الذهبي  متابعا : ثم سمى خلقا دون هؤلاء في العدالة فإن المذكورين احتج بهم غير واحد ، وهذا يدل على شدة تحريه في صحيحه ، ومن أبرز من ألف في رجال ابن خزيمة  ، ابن الملقن  .

 

ومن أبرز ملامح صحيح ابن خزيمة  :

اختصر ابن خزيمة صحيحه من كتاب (المسند الكبير) ونبه إلى ذلك في مواطن كثيرة من صحيحه ككتاب الوضوء وكتاب التوحيد ، ومن الملاحظات المهمة في صحيح ابن خزيمة  ، هو ميله  إلى اختصار الأحاديث وخاصة الطويلة ، فيقتصر على موضع الشاهد منها ثم يقول : وذكر الحديث .

ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

حديث : (ثم أخذ بيمينه (أي الماء) فصك بها وجهه) وذكر الحديث .

حديث : (ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويزيد به الحسنات ، قالوا : بلى يا رسول الله ، فقال : إسباغ الوضوء على المكاره وانتظار الصلاة بعد الصلاة ) ، ثم ذكر الحديث ، وقال  : (وهذا خبر طويل قد خرجته في أبواب ذوات عدد) .

حدبث عمران رضي الله عنه ، في نومهم عن صلاة الفجر عندما كانوا في سفر مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد اختصره ابن خزيمة  من وسطه .

 

 

وابن خزيمة  يتعقب الأحاديث بما يزيل اللبس ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، ما ذكره في بداية الكتاب الذي ناقش فيه أدلة من قال بإفطار من احتجم وهو صائم ، فأورد أدلة المخالفين ثم قال : (فكل مالم أقل إلى آخر هذا الباب ، إن هذا صحيح فليس من شرطنا في هذا الكتاب) .

 

وقد يورد  اسنادا فيه راو يعلم أنه ثقة ولكنه يخشى أن يقف عليه من لا يعرفه (أي ذلك الراوي) فيتهمه بالتساهل في صحيحه ، فلذلك يورد أقوال العلماء في ذلك الراوي ليزيل اللبس ، ومن الأمثلة على ذلك : أنه ذكر حديثا من طريق عبيد الله بن أبي جعفر  ، ثم نقل بإسناده إلى الليث بن سعد  قوله : (سمعت يزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر وهما جوهرتا البلد يقولان : فتحت مصر صلحا) ، وهذا بلا شك تعديل لعبيد الله بن أبي جعفر  .

 

وابن خزيمة  يشبه شيخه البخاري  في مسألة الإستنباطات الفقهية في صحيحه ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما بوب له بقوله : باب ذكر اسقاط فرض الجمعة عن النساء ، والدليل على أن الله عز وجل خاطب الرجال دون النساء بقوله تعالى : (ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة …) الآية ، ثم قال : إن ثبت هذا الحديث الخبر من جهة النقل وإلا فإتفاق العلماء كاف لإسقاط الجمعة عنهن دون خبر خاص فيه ، فهو بهذه الترجمة يبين أن الحديث الذي سيذكره يؤيد ما بوب له ولكنه غير ثابت ، ومع ذلك فلا إشكال لأن العلماء اتفقوا على ذلك .

 

ولإبن خزيمة  تعليقات مفيدة جدا في صحيحه ومن أبرزها :

تفسير الألفاظ الغريبة ، ومثاله ما ذكره في (3/141) ، حيث ذكر حديث سهل بن سعد رضي الله عنه : أن منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أثل الغابة ، ثم قال : الأثل هو الطرطاء ، وأيضا حديث حنين الجذع حنين الواله ، ثم قال : الواله ، المرأة إذا مات لها ولد .

تنبيهه على العلل الخفية ، ومثاله ما ذكره في (3/157) عن شيخه محمد بن بشار (بندار) وهو ثقة حافظ عن يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن وديعة عن أبي ذر رضي الله عنه ، ثم قال معقبا على الحديث : ولا أعلم أحدا تابع بندارا على ذلك والجواد قد يفتر في بعض الأوقات ، وكأنه بهذا ينبه على أن الثقة قد يهم لأن هذا الحديث ورد من غير هذا الطريق ، فقد أخرجه البخاري من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن ابن وديعة  عن سلمان الفارسي رضي الله عنه ، وهو الصحيح .

 

إزالته للمشكل في كثير من المواضع ، ومن الأمثلة على ذلك ، ما ذكره في (3/319) ، باب ذكر أبواب ليلة القدر والتأليف بين الأخبار المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها (وهذا ما اشتهر به ابن خزيمة ، حيث قال : ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه ، ومن وجد شيئا من ذلك فليأتني لأؤلف له بينهما) ، وكان عمله  في هذا الباب بديعا ، حيث رجح بداية أنها في رمضان ، ثم رجح أنها في العشر الأواخر ، ثم رجح أنها في الليالي الوتر منها ، ثم رجح أنها متنقلة بين الليالي الوتر .

 

وكذا ، ما رواه البخاري وأحمد رحمهما الله عن حماد بن زيد عن ثابت بن أسلم البناني عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم شكوا إليه قلة الماء في غزوة من الغزوات فدعا بقدح رحراح …… الحديث ) ، فلفظ (رحراح) رواه عن حماد : (مسدد بن مسرهد وسليمان بن حرب وأبو الربيع الزهراني ومحمد بن عبيد الغبري وعفان بن مسلم ، وروى نفس الحديث عن حماد : (أحمد بن عبدة الضبي عند ابن خزيمة) بلفظ (زجاج) ، فهنا خلاف في اللفظ أرجعه بعض العلماء إلى تصحيف أحمد بن عبدة كما نقل ذلك ابن حجر ، ولكن ابن خزيمة رحمه الله على عادته جمع بين الروايتين بل وأخذ فقه الباب من هاتين اللفظتين فعقد بابا في جواز اتخاذ آنية الزجاج خلافا للمتصوفة وقال رحمه الله : وقد رواه جماعة عن حماد فقالوا رحراح (والرحراح هو الواسع الفوهة ولكنه غير عميق) ورواه أحمد بن عبدة فقال : زجاج والجمع يكون بأن مسدد وجماعته ذكروا صفة الإناء وابن عبدة رحمه الله ذكر جنسه ، فتم الجمع وزال الإضطراب ، (أفاده الحويني حفظه الله في شرحه للموقظة) .

 

 

إزالته التباس اسم راو براو ، ومن الأمثلة على ذلك ، ما رواه عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه ، حيث نبه على وجود راويين في هذه الطبقة ، اسم كل منهما عبد الرحمن بن إسحاق ، أحدهما أبو شيبة الكوفي وهو ضعيف ، والآخر عبد الرحمن بن إسحاق عباد ، الذي روى عن سعيد المقبري والزهري  وهو صالح الحديث .

 

ذكره اسم الراوي تماما إذا ذكر بكنيته أو لقبه ، أو ذكر اسمه دون نسبه ،ومن الأمثلة على ذلك ، ما أخرجه عن أبي القاسم الجدلي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه ، حيث قال : أبو القاسم الجدلي هو حسن بن الحارث من جديلة قيس ، وقد روى عنه عطاء بن السائب وأبو مالك الأشعري وحجاج بن أرطأة ، وأيضا ما أخرجه عن أبي حازم  عن أبي هريرة رضي الله عنه حيث نبه ابن خزيمة  على أن أبا حازم المذكور في هذا الطريق هو سلمان الأشجعي الذي روى عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وليس سلمة بن دينار الذي روى عن سهل بن سعد رضي الله عنه الذي يحمل نفس الكنية ، وهو من نفس طبقة سلمان الأشجعي .

 

اهتمامه بالكلام على الرواة جرحا وتعديلا ، ومن الأمثلة على ذلك ، قوله في عبد الرحمن بن إسحاق عباد : صالح الحديث ، وقوله في عاصم العنزي وعباد ابن عاصم : مجهولان لا يدرى من هما

 

رده رواية المدلس الذي لا يحتمل تدليسه إذا عنعن ، ومن الأمثلة على ذلك ، ما خرجه من طريق أبي اسحاق عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها ، حيث قال : لم أقف على سماع أبي إسحاق (وهو السبيعي) من الأسود .، وما خرجه من طريق حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وما خرجه من طريق قتادة عن مورق عن أبي الأحوص ، حيث لم يحتمل ابن خزيمة  عنعنة حبيب بن أبي ثابت وقتادة ، رغم أن بعض العلماء تحملوا تدليسهما ، وهذا يدل بلا شك على شدة تحريه في الرواية .

 

تضعيفه لرواية من اختلط وإن كان من طريق بعض الثقات الذين سمعوا منه قديما إذا كان الراوي ضعيفا أصلا  ولذا رد حديث ابن لهيعة  وإن كان من طريق العبادلة الذين رووا عنه قبل اختلاطه  وهذا يدل على أن ابن حزيمة  ممن يرى ضعف ابن لهيعة  قبل وبعد الإختلاط ، وإن كان ضعفه أشد بعد اختلاطه .

 

نصه على عدم السماع في بعض الطرق ، ومن الأمثلة على ذلك نصه على عدم سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى  من معاذ بن جبل رضي الله عنه  ولا من عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه ، صاحب الأذان .

 

بيانه للعلل الخفية ، ومن الأمثلة على ذلك ، ما أخرجه من طريق خالد الحذاء عن رجل عن أبي العالية عن عائشة رضي الله عنها في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في سجود التلاوة ، (وهذه رواية ابن علية ) ، ثم أخرجه من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وخالد بن عبد الله الواسطي عن خالد الحذاء عن أبي العالية عن عائشة رضي الله عنها ، فلم يذكرا الراوي بين خالد الحذاء وأبي العالية  ، وعقب ابن خزيمة  على هاتين الروايتين بقوله : إنما تركت إملاء هذا الحديث لأن بين خالد وأبي العالية رجلا لا يعرف ولم يذكره عبد المجيد وخالد الواسطي وإنما بينت هذا لئلا يتوهم أحد أن رواية عبد الوهاب وخالد الواسطي صحيحة ، ومن الأمثلة أيضا تنبيهه على قلب المتن في رواية يحيى بن سعيد القطان  عن عبيد الله بن عمر  عن خبيب بن عبد الرحمن  عن حفص بن عاصم   وفيها : (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم يمينه ما أنفقت شماله) وهذه رواية مسلم  ، فقد خولف يحيى  على هذا اللفظ ، والصواب مع من خالفه ، رغم إمامته ، والصحيح رواية البخاري  : (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ما أنفقت يمينه) .

 

تقديم المتن على السند ، إذا كان في السند مقال ، وقد صرح  بأن من رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حل منه ، كما نقل ذلك السيوطي  في تدريب الراوي .

 

وبعد الإنتهاء من الكلام على صحيح ابن خزيمة رحمه الله ، نعرض بصورة موجزة ، أهم معالم منهج ابن حبان رحمه الله في صحيحه :

بداية ، لابد من إعادة التنبيه على تأثر ابن حبان رحمه الله بشيخه ابن خزيمة ، ويظهر هذا جليا ، كما سبق ، وقدمنا ، في مسائل :

التساهل في التوثيق ، وإن كان ابن خزيمة رحمه الله أحسن حالا منه ، فصحيح ابن حبان رحمه الله ، يأتي بعد صحيح شيخه ابن خزيمة ، وهو أفضل حالا من مستدرك الحاكم .

وإدراج الحسن كقسم من الصحيح ، لا كقسيم له ، كما هو الحال عند جماهير المحدثين .

وجدير بالذكر أن هذه المسألة ، مما استدرك به على ابن الصلاح رحمه الله ، لما قال بمنع اجتهاد المتأخرين في الحكم على الأحاديث ، والإكتفاء بأحكام المتقدمين ، ممن يحكمون على الأحاديث ، كالترمذي رحمه الله ، أو يشترطون الصحة ، كابن حبان ، وهذا بطبيعة الحال ، غير مسلم به عند النظر إلى صحيحي ابن خزيمة وابن حبان ، لأننا قد نرفع بعض أحاديثهما عن درجتها الحقيقية ، فربما كان الحديث عندهما ، صحيحا ، وهو في الحقيقة حسن ، لا يرقى لدرجة الصحيح ، لأنهما ، كما سبق لايفرقان بينهما ، وهذا لا يظهر بطبيعة الحال إلا بالبحث والنظر .

 

مسألة : ترتيب ابن حبان رحمه الله لصحيحه :

لم يرتب ابن حبان رحمه الله كتابه على الأبواب ، كما رتب بقية أصحاب الجوامع كتبهم ، وإنما رتبه ترتيبا مخترعا ، كما سبق ذكر ذلك ،  أسماه التقاسيم والأنواع ، حيث قسم كتابه إلى 5 أقسام ، تحت كل قسم عدد من الأنواع ، وهي :

الأوامر ، وهي 110 .   

النواهي ، وهي 110 .

الأخبار ، وهي 80 نوعا .

الإباحات ، وهي 50 نوعا .

أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التي انفرد بها ، وهي 50 نوعا .

وبهذا تبرز صعوبة البحث عن أي حديث في صحيح ابن حبان بهذا الترتيب ، لأن الباحث فيه ، إما أن يستعرض الكتاب بأكمله للبحث عن حديث ما ، وإما أن يحفظ الكتاب بأكمله ، وكلا الأمرين صعب .

وجدير بالذكر أن ابن حبان رحمه الله ، لم يقصد حصر كل أنواع السنن ، وقد سبق ، أن ابن حبان رحمه الله ، مع خفة شرطه ، وفى به ، خلاف الحاكم رحمه الله ، الذي علا شرطه ، ولكنه لم يوف به .

مسألة : شروط الراوي الموثق عند ابن حبان رحمه الله :

العدالة في الدين بالستر الجميل : وهو مخالف فيه ، لأنه كما سبق ، يرى أن الأصل في المجهول العدالة ، دون اشتراط تعديله ، ولو من واحد من أئمة الجرح والتعديل المعتبرين ، فالراوي قد يكون ظاهر العدالة ، غير معلوم الباطن ، وقد يكون ظاهر العدالة ، ولكنه كثير الخطأ والوهم في حديثه ، وعلى هذا ، فإن هذا الشرط قيد لإخراج من عرف بالجرح فقط .

الصدق : للإحتراز من ظاهر العدالة ، غير الصادق .

العقل : أن يكون عاقلا بمعنى الحديث ، فلا يكون مجرد ناقل للحديث .

أن يكون عالما بما يحيل المعاني ، وجدير بالذكر أن العلماء قد أجازوا الرواية بالمعنى إذا كان الراوي عالما بما يحيل المعاني .

عدم التدليس : وذلك بأن يصرح الراوي بالسماع في هذا الموضع ، أو في غيره ، بحيث يطلع ابن حبان على هذا التصريح ، وإن لم يخرجه في صحيحه ، وهذه قاعدة عامة ، ولكن يلزم لصحتها ، أن يكون ابن حبان عالما بأن هذا الراوي مدلس ، فقد يروي المدلس بالعنعنة دون أن يصرح بالسماع ، ومع ذلك ، يصحح ابن حبان حديثه ، لأنه لم يقف على تدليسه ، وقد نبه الشيخ الحميد حفظه الله ، إلى أنه قد وجدت روايات لمدلسين في صحيح ابن حبان ، وجدت في مواضع أخرى بزيادة راو بين المدلس ومن يروي عنه بالعنعنة .

بعض الملامح العامة لمنهج ابن حبان رحمه الله في نقد الرجال :

ابن حبان رحمه الله لايخرج حديث من عرف بالإختلاط ، إلا من طريق من روى عنه قبل الإختلاط .

وهو رحمه الله ، مع تساهله في التوثيق ، متشدد في الجرح ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، رده لحديث عارم رحمه الله ، شيخ البخاري ، بأكمله ، وهو ما جعل الذهبي رحمه الله يشدد النكير عليه .

لمحات من الصناعة الحديثية عند ابن حبان رحمه الله :

عنايته بجمع طرق الحديث ، فقد ذكر ، على سبيل المثال ، طريقا آخر لحديث خرجه من طريق سهيل بن أبي صالح ، ليزيل تفرد سهيل به ، لأن البعض قد يرد الحديث بسبب هذا التفرد .

وهو يقبل زيادة الثقة ، إذا ورد الحديث من عدة طرق متضادة ، فلو تعارض الوصل مع الإرسال ، أو الرفع مع الوقف ، فالحكم لم زاد ، إن كان ثقة ، وقد يخالف ابن حبان رحمه الله من بعض النقاد ، كالدارقطني رحمه الله ، لأنهم يحكمون في هذه الحالة للأحفظ ، وأما ابن حبان ، فإنه إذا خالف الواحد أو الإثنان ، الجماعة في رفع موقوف ، أو وصل مرسل ، كأن يروي جمع من الرواة حديثا مرسلا عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويرويه واحد عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم موصولا ، فينظر ابن حبان رحمه الله ، لهذا الحديث ، هل له أصل عن ابن عمر رضي الله عنهما ، بمعنى ، هل روي عن ابن عمر ، ولو من طريق غير طريق نافع رحمه الله ، فإذا ثبت هذا ، فإنه يقبل رواية الواحد ، ولا يلتفت إلى المخالف .

هناك أحاديث كثيرة عند ابن حبان رحمه الله ، يمكن نقدها بداعي النكارة أو العلة القادحة ، ولكنها في نفس الوقت لا تخرج عن شرطه الذي وفى به ، وإن كان لينا ، فخرج ابن حبان من عهدتها ، ولا يمنع هذا من الحكم بنكارتها أو ضعفها ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، حديث قصة هاروت وماروت ، وهي قصة مشهورة ، استنكرها أحمد وأبو حاتم ، وقد ثبت أنها من الإسرائيليات التي لا يصح رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا على منهج ابن حبان رحمه الله في توثيق من لا يعرف ، وعدم اعتبار مخالفة الواحد للجماعة خلافا لجماهير المحدثين .

ولإبن حبان رحمه الله ، تعليقات مفيدة جدا ، في صحيحه ، في الجمع بين الأدلة المتعارضة ، أو الترجيح بينها ، ولعله في هذا يشبه إلى حد كبير شيخه ابن خزيمة رحمه الله الذي برع في هذا الجانب ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، كلامه عن حديث طلق بن علي رضي الله عنه وحديث بسرة بنت صفوان رضي الله عنها ، فالأول فيه عدم وجوب الوضوء من مس الذكر ، والثاني فيه وجوب الوضوء من مس الذكر ، حيث قال ابن حبان رحمه الله ، بأن حديث طلق رضي الله عنه ، منسوخ بحديث بسرة ، وأورد في صحيحه ما يدل على أن قدوم طلق رضي الله عنه كان عند بناء مسجد المدينة ثم خرج ولم يعلم له قدوم بعد ذلك ، وأما حديث بسرة رضي الله عنه فقد رواه أيضا أبو هريرة رضي الله عنه وهو متأخر الإسلام ، وهذا يقوي القول بنسخ حديث طلق رضي الله عنه ، وإن كان هذا غير كاف للحكم بنسخ الحديث ، لأن تأخر إسلام راوي الحديث ، وإن كان مؤشرا على صحة هذا الإستدلال ، إلا أنه غير كاف ، كما هو معلوم من علم الأصول ، وقد اشترط الشيخ الشنقيطي رحمه الله في "مذكرة أصول الفقه" ، أن يثبت أن وفاة الراوي الأول "للحديث المنسوخ" كانت قبل سماع الراوي الثاني "للحديث الناسخ" ، بل إن قول الصحابي : هذا ناسخ لهذا ، غير كاف ، لأنه يرجع إلى نوع من الإجتهاد ، وقد يخطيء فيه ، كما نقل ذلك ابن كثير رحمه الله ذلك عن كثير من الأصوليين ، في اختصار علوم الحديث ، خلاف قوله : هذا كان قبل هذا ، لأنه ناقل عن الأصل ، والصحابي ثقة مقبول الرواية ، كقول أبي رضي الله عنه : كان الماء رخصة في أول الإسلام ، ثم أمر بالغسل . وقد رجح ابن المديني رحمه الله ، حديث طلق رضي الله عنه ، وقال : هو أحسن من حديث بسرة ، وخالفه ابن معين في مناظرة شهيرة بينهما حضرها أحمد بن حنبل .

 

أهم الخدمات التي قدمت لصحيح ابن حبان :

اختصر ابن الملقن ، تهذيب الكمال للمزي ، وذيل له برجال أحمد وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم .

وألف الحافظ العراقي كتاب : رجال ابن حبان ، ذكر ذلك ابن فهد المكي ، ولكنه مفقود .

وألف الهيثمي ، في زوائد ابن حبان : موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ، وقد اقتصر فيه على زوائده على الصحيحين فقط لأنه من الكتب التي ألفت في الصحيح المجرد ، فلابد أن تكون زوائده على كتب اشترطت نفس شرطه ، كما نبه إلى ذلك الشيخ السعد حفظه الله .

وكذا ألف الحافظ مغلطاي في زوائد ابن حبان ، ولكن كتابه مفقود .

وانتخب العراقي أربعين حديثا من صحيح ابن حبان في مصنف سماه : أربعون بلدانية ، كما ذكر ذلك ابن فهد المكي في لحظ الألحاظ .

وهناك من فهرسه على الأطراف ، كالحافظ ابن حجر في اتحاف المهرة .

ولكن أبرز الخدمات ، التي قدمت إلى صحيح ابن حبان ، على الإطلاق ، هو ترتيب الأمير علاء الدين أبو الحسن علي بن بلبان رحمه الله ، المعروف بعلاء الدين الفارسي ، لصحيح ابن حبان على الأبواب الفقهية ، في مصنف أسماه الإحسان في تقريب ابن حبان ، وذكر أن ما دعاه إلى ذلك ، هو صعوبة ترتيب ابن حبان لصحيحه ، حتى عز جانبه فكثر مجانبه ، حيث انصرف الناس عنه لصعوبة البحث عن أي حديث فيه ، وقد راعى علاء الدين رحمه الله أمورا من أبرزها :

أنه احتفظ بعناوين وتعليقات ابن حبان رحمه الله ، ولا شك أنها عظيمة الفائدة ، لأنها تشتمل على استنباطات فقهية مهمة .

أنه أشار إلى مكان الحديث في النسخة الأصلية لإبن حبان ، فلو كان الحديث ، على سبيل المثال في القسم الأول ، في النوع الخمسين ، فإنه يشير إليه بـ : (1/50) ، وعليه ، فإننا من خلال هذه الإشارات نستطيع إرجاع الكتاب إلى أصله الذي صنفه ابن حبان رحمه الله .

 

وأما بالنسبة لكتاب المنتقى لإبن الجارود ، فإن عدة أحاديثه 1100 حديث أغلبها من الصحيح والحسن وقد نص الذهبي  في سير أعلام النبلاء في ترجمة ابن الجارود  على ذلك فقال  عن المنتقى : هو مجلد واحد في الأحكام ، لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدا ، إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها اجتهاد النقاد ، وقال الكتاني : وقد تتبعت أحاديثه فلم ينفرد عن الشيخين منها إلا بيسير .

 

وأما بالنسبة لصحيح ابن السكن  ، فقد ذكر السبكي أنه مجرد من الأسانيد وهو غير موجود الآن ، وغير مشهور حتى عند السابقين .

 

وأما بالنسبة لمستدرك الحاكم  فإن أحاديثه تنقسم إلى سبعة أقسام :

ما كان على شرط الشيخين .

ما كان على شرط البخاري  .

ما كان على شرط مسلم  .

ما يصححه الحاكم   وإن لم يكن على شرط أحدهما ، ويعبر عنها بأنها صحيحة الإسناد (تيسير مصطلح الحديث ص39 ، مكتبة المعارف) .

ما يذكره كشواهد .

ما يضعفه .

 

يذكر  أحيانا بعض الأحاديث التي يتساهل فيها كالأخبار والتواريخ ، والأقسام الأربعة الأولى ، حكم الحاكم فيها فيه نظر ، وهناك عدة أسباب تدعونا لعدم قبول حكم الحاكم  عدة أسباب منها :

 

أن الحاكم  لم يلتفت إلى سياق الإسناد عند استدراكه على الشيخين ، فعلى سبيل المثال : (رواية سماك  عن عكرمة  عن ابن عباس رضي الله عنهما) ليست على شرط أي من الشيخين ، فسماك على شرط مسلم  ، وعكرمة انفرد به البخاري  ولم يرو له مسلم  إلا مقرونا . وأدق من السبب السابق كما نبه إليه الحافظ  : أن يرويا عن أناس مخصوصين من غير حديث الذين ضعفوا فيهم  ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، رواية البخاري  عن إسماعيل بن أبي أويس  ، (فقد انتخب من أحاديثه لأن إسماعيل  متكلم فيه ولكنه في نفس الوقت من أثبت الناس في مالك ) ، ثم يأتي الحاكم  فيخطأ ويخرج لهم من طريق من ضعفوا فيه ، برجال كلهم في الكتابين أو أحدهما ، كأن يقال : هشيم عن الزهري فكلاهما  مخرج لهما في الصحيحين ولكن رواية هشيم  عن الزهري  خاصة ضعيفة ، وهذا مما خفي على الحاكم  .

 

مسألة : قول ابن الأخرم  : قل ما يفوت البخاري ومسلم  من الأحاديث الصحيحة ، وقد ناقشه ابن الصلاح  في ذلك واحتج عليه بصنيع الحاكم  في المستدرك ، ولكن ابن كثير  اعترض على هذا الإحتجاج بوهم الحاكم  في أغلب الأحاديث التي استدركها على الشيخين ، ولكن النقاد  ردوا على ابن الأخرم  بعدة ردود من أهمها :

تصريح البخاري ومسلم  بعدم استيعاب الصحيح حيث قال البخاري  : "ما أدخلت في كتابي إلا ما صح وتركت من الصحاح خشية الإطالة" ، وقال مسلم  : "ما أدخلت إلا ما أجمعوا عليه" . 

تصحيح البخاري  لأحاديث لم يوردها في صحيحه وهذا ما يظهر بوضوح في بعض سؤالات الترمذي  له في أحاديث أوردها في جامعه حيث صححها البخاري  ولم يوردها في صحيحه كحديث : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) حيث قال عنه الترمذي  : هذا حديث حسن صحيح وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال : حديث صحيح .

تصحيح مسلم  لحديث : (وإذا قرأ فأنصتوا) ، حيث قال عنه مسلم  هو عندي صحيح ولكنه لم يدخله في صحيحه لأنهم لم يجمعوا عليه .

اتفق الشيخان  على أحاديث كثيرة من صحيفة  همام بن منبه وانفرد كل واحد منهما ببعض ما فيها وإسنادها واحد ، ذكره الشيخ أحمد شاكر  في الباعث الحثيث ص208 طبعة مكتبة السنة . ومن الجدير بالذكر أنه ينبغي التفريق بين عدم استيعاب الشيخين للأحاديث الصحيحة مطلقا وبين عدم استيعابهم للأحاديث الصحيحة على شرطهما فالإستيعاب المطلق لا إشكال فيه لما تقدم من نصهما وفعلهما ، وأما إستيعاب ما صح على شرطهما فقليل لا يتجاوز عند التحقيق 100 حديث

أن الحاكم  لم يكن همه الإستدراك على الشيخين بقدر ما كان همه الرد على أهل البدع والأهواء الذين قالوا بأن ما صح عند أهل السنة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو 10000 حديث فقط ، وقد وهم  كما سبق ذكره في كثير مما استدركه على الشيخين فلم يكن على شرطهما .

 

وخلاصة القول أن قول ابن الأخرم  صحيح بقيد ، فالصحيح أن نقول بأنه قل ما يفوت البخاري ومسلم  من الأحاديث الصحيحة (على شرطيهما) فهو لا يتجاوز عند التحقيق 100 حديث كما سبق ذكره .

وقد تفاوتت أنظار العلماء تجاه مستدرك الحاكم ، فبالغ البعض ومنهم أبو سعيد الماليني وقال بأن الحاكم  لم يخرج حديثا واحدا على شرط الشيخين في مستدركه ، وهذا كما قال الذهبي  ، إسراف وغلو ، وبعضهم اعتمد تصحيحه مطلقا ، وهذا بلا شك تساهل ومن أهم من تكلم في هذه المسألة :

ابن الصلاح  :

وقد بنى ابن الصلاح كلامه على ما ذهب إليه من القول بمنع الإجتهاد في الحكم على الأحاديث بعد انقراض عهد الأئمة المتقدمين وعلى هذا فمنهج ابن الصلاح  في الحكم على المستدرك ، يكون بالنظر في أحكام المتقدمين على أحاديثه وذلك كالتالي (مع العلم بأنه ذهب بداية إلى الحكم على الحاكم  بالتساهل في عمله في المستدرك) :

ما صححه غيره من الأئمة المتقدمين  (بأن يرد الحديث في كتاب يشترط الصحة كالصحيحين ، أو يرد الحكم بصحته في كتاب يحكم مصنفه على الأحاديث كجامع الترمذي  ) ، فهو صحيح بلا شك .

ما ضعفه غيره من الأئمة المتقدمين  فهو ضعيف .

ما سكت عنه الأئمة ، إن لم يكن صحيحا فهو حسن يحتج به إلا أن تظهر فيه علة تمنع الحكم بصحته ، لأن قرينة الطعن في المستدرك قوية ، وقد رد العراقي  هذا الرأي ، ونقل عن ابن جماعة  أنه قال : يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف ، وممن رد هذا الرأي أيضا ابن كثير  في اختصار علوم الحديث ، واختار رأي النووي  الذي أجاز لمن تمكن وقويت معرفته ، الحكم على أحاديث المستدرك بما يليق بحالها ، وقد اختار هذا الرأي الشيخ أحمد شاكر في شرحه لإختصار علوم الحديث ، وأنكر قول ابن الصلاح  بمنع الإجتهاد في الحكم على الأحاديث ووصف هذا القول بأنه قول باطل ، لا برهان عليه من كتاب أو سنة ، وجدير بالذكر أن ابن الصلاح رحمه الله قصد من هذا الرأي غلق باب الإجتهاد في وجه من لم تقو عنده ملكة الإجتهاد في الحكم بصحة حديث أو بطلانه .

الذهبي  : 

وقد اختصر مستدرك الحاكم  ، واستدرك على الحاكم  في معظم أحكامه ، كما نقل ذلك الحافظ ابن كثير  ، حيث قال : في هذا الكتاب "أي المستدرك" أنواع من احديث كثيرة ، فيه الصحيح المستدرك ، وهو قليل ، وفيه صحيح قد خرجه البخاري ومسلم  ولم يعلم به الحاكم  ، وفيه الحسن والضعيف والموضوع أيضا وقد اختصره شيخنا أبو عبد الله الذهبي  ، وبين هذا كله وجمع فيه جزءا كبيرا مما وقع فيه من الموضوعات ، وذلك يقارب مائة حديث ، والله أعلم . الباعث الحثيث ص38_42 بتصرف ، طبعة مكتبة السنة . وجدير بالذكر أن الذهبي  رغم تعقبه للحاكم  في أغلب أحكامه ، إلا أنه وهم هو الآخر في الحكم على أحاديث كثيرة في المستدرك ، وربما كان هذا بسبب سرعة إنجاز الذهبي رحمه الله لهذا المختصر ، حيث ورد ما يؤيد ذلك ، وهو أنه "علقه برأس القلم" (أو كلمة نحوها ، وهذا يدل على سرعة مراجعته للمستدرك ، ومعلوم ما يقع من الوهم نتيجة هذه السرعة ، ولا أدري من قائل هذه الكلمة ، هل هو الذهبي ، أم غيره ممن علق على تلخيصه) .

وقد اعتذر الحافظ عن الحاكم بقوله : إنما وقع للحاكم التساهل لأنه سود كتابه لينقحه فأعجلته المنية .

وأما بالنسبة لصاحب المستدرك  (وإن كان هذا لا يتعلق بموضوع البحث ارتباطا مباشرا ، إلا أنني أردت التركيز على المستدرك وصاحبه في نفس الموضع حتى نخرج إن شاء الله بصورة كاملة) ، فقد تكلم فيه بعض العلماء وتركز كلامهم على جانب التشيع لآل البيت رضوان الله عليهم ، فنقل عن ابن طاهر  أنه سأل أبا إسماعيل الهروي  عن الحاكم  فقال : ثقة في الحديث ، رافضي خبيث . وقال ابن طاهر  في موضع آخر : كان شديد التعصب للشيعة من الباطن ، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة ، وكان منحرفا غاليا عن معاوية رضي الله عنه وأهل بيته ، يتظاهر بذلك ولا يعتذر عنه . وقال أبو بكر الخطيب  : كان أبو عبد الله بن البيع (أي الحاكم ) ثقة ، وكان يميل إلى التشيع . وقد رد الذهبي  على قول أبي إسماعيل الهروي  بقوله : كلا ، ليس رافضيا ، بل يتشيع ، وبالموازنة بين هذه الأقوال يتضح لنا أن العلماء لم يتكلموا في ضبطه فهو  ثقة ضابط ، ومن تكلم منهم ، تكلم في تشيعه ، ولا شك أن القول الصحيح في هذه المسألة_إن شاء الله_هو قول الذهبي والخطيب ، والفرق كبير بين التشيع الذي وصف به كثير من أهل السنة كالأعمش وشريك والحاكم والنسائي  (وقد اشتهر به أهل السنة في الكوفة ، على النقيض من أهل البصرة الذين وصفوا بأنهم عثمانية) وبين الرفض ، فالأول أصحابه لا يقدحون في الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولا في عثمان رضي الله عنه ، ويقدمون الشيخين رضي الله عنهما في الفضل والخلافة ، ويقدمون عثمان رضي الله عنه في الخلافة ونقطة الخلاف الوحيدة بينهم وبين أهل السنة الخلص أنهم يقدمون عليا رضي الله عنه على عثمان في الفضل ، وهذا وإن كان مما يخالف فيه هؤلاء إلا أنه لا يوجب تفسيقا أو تضليلا ، وإنما الذي يوجب الفسق والتضليل هو تقديم علي رضي الله عنه في الفضل أو الخلافة على الشيخين رضي الله عنهما ، أو تقديمه رضي الله عنه على عثمان في الخلافة لا الفضل كما بين ذلك شيخ الإسلام  ، وأما الثاني (أي الرفض) فهو مذهب خبيث يقتضي الطعن في الشيخين رضي الله عنهما وعثمان رضي الله عنه والقدح في إمامتهم وهو الذي يوجب التفسيق والتضليل . وفي هذا رد كافي على كلام الهروي  ، ولعل من أشهر الأحاديث التي تكلم في الحاكم  بسبب تصحيحه لها حديث الطير، وفيه إهداء الطير المشوي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاؤه صلى الله عليه وسلم الله بقوله : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير فدعا أنس رضي الله عنه أن يكون الآتي من الأنصار لتصيب هذه الدعوة رجلا من قومه ، فجاء علي بن أبي طالب فرده أنس وجاء الثانية والثالثة والرابعة فدفع أنسا في صدره ودخل فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن إبطائه فأخبره بما كان بينه وبين أنس فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أنسا عن ذلك فقال أنس رضي الله عنه : رجوت أن يكون رجلا من الأنصار فتصيبه هذه الدعوة ، فقال صلى الله عليه وسلم : (إن الرجل قد يحب قومه) ، فهذا الحديث روي من طريق سفينة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن طريق أنس رضي الله عنه حيث جاء من أكثر من تسعين طريقا عن أنس رضي الله عنه فقط بخلاف الطرق الأخرى ، وقد تعقب الذهبي  الحاكم  في هذا الحديث وأغلظ له القول ولكنه عاد مرة أخرى وألف مؤلفا في هذا الحديث وربما هالته كثرة طرقه وتوقف في تصحيحه وقال : (ولست بمثبته ولا بعتقد بطلانه) ومن قبل الذهبي والحاكم ألف ابن جرير الطبري  رسالة في هذا الحديث ، ولكن الحافظ ابن كثير  لم يلتفت لكثرة هذه الطرق وتعرض لها طريقا طريقا في البداية والنهاية وأبطلها كلها . وقد يعتذر للحاكم  في تصحيحه لهذا الحديث بأنه ربما نظر إلى هذه الطرق الكثيرة التي جاء منها الحديث .           

 

 

الكتب التي غلب على أحاديثها الصحة وفيها شيء من الضعيف . ككتب السنن الأربعة ومسند أحمد  :

ونعرض هنا بصورة مختصرة لبقية السنن الأربعة ومسند أحمد  وموطأ مالك   :

بداية لابد من التنبيه على طريقة أصحاب السنن التي اتبعوها في تصانيفهم (كما يظهر من صنيع أصحاب السنن الأربعة وسعيد بن منصور وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني وأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي) ، وهي الإقتصار على أحاديث الأحكام المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم  ، (فهي مرتبة على الأبواب الفقهية) ، وهذا يشبه كثيرا من حيث المضمون تعريف الكتاني  حيث قال : السنن هي الكتب التي ألفت لتضم كثيرا من أبواب الدين ، وليس فيها شيء من الموقوف أو المقطوع إلا نادرا ، لأن المقطوع والموقوف لا يسمى سنة في اصطلاحهم ، وقد تعقب الشيخ الحميد حفظه الله ، الكتاني  في تعريفه هذا من وجهين :

الوجه الأول : من ناحية الشمول ، حيث أننا نجد بعض كتب السنن تشابه الجوامع مي حيث شموليتها لجميع أبواب الدين ، دون الإقتصار على أبواب الأحكام فقط ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك سنن سعيد بن منصور  حيث أنه يحوي كتابا للتفسير ، فسر فيه القرآن كاملا بالمأثور ، وكتابا للزهد وهما ليسا من كتب الأحكام .

الوجه الثاني : أننا نجد من السنن ما يكثر فيه المقطوع والموقوف ، ومن الأمثلة على ذلك ، ما ألفه المتقدمون كابن جريج وهشيم والأوزاعي وابن المبارك  تحت مسمى السنن ، ورغم ذلك ورد فيها الموقوف والمقطوع ، ورغم عدم وصول هذه المصنفات إلينا ، إلا أن نموذجا منها قد وصل إلينا ، وهو سنن سعيد بن منصور  ، وقد احتوت على الموقوف والمقطوع ، وهو في مادته العلمية يساوي مصنف أبي شيبة  ، ورغم ذلك سمي الأول بالسنن والثاني بالمصنف ، وكذا ورد في سنن البيهقي  موقوفات ومقطوعات رغم أن البيهقي  ركز في الغالب على أحاديث الأحكام ، وكذا الدارمي  حيث أن كتابه شبيه بالجوامع من حيث الشمولية وقد ورد فيه الموقوف والمقطوع ومع ذلك أطلق عليه السنن ، وهذا يدل على أن هذه التسميات كانت من قبيل التفنن في التسمية ، ولم يكن المقصود منها المعاني الإصطلاحية لهذه المسميات ، التي استقرت فيما بعد ، وقد وجه الشيخ حفظه الله كلام الكتاني  بأنه يصح لو أطلق على السنن الثلاثة (أبوداود وابن ماجة والنسائي ) ، خلاف الترمذي  لأن كتابه جامع ، كما هو واضح من عنوانه .

 

والسنن تأتي في المرتبة الثانية بعد الصحيحين من حيث صحة أحاديثها ، فالغالب عليها الصحة ، وإن كان فيها الضعيف والمنكر والموضوع ، وقد زعم الحافظ السلفي  أن علماء المشرق والمغرب اتفقوا على صحة الأصول الخمسة (فساوى بين الصحيحين من جهة وبين سنن أبي داود والترمذي والنسائي من جهة أخرى) ، ولا شك أن في هذا الكلام نظر لأن في السنن أحاديث ضعيفة ومنكرة بل وموضوعة ، فكيف يساوى بينها وبين الصحيحين ؟ ، وأجاب العراقي : بأن السلفي  إنما قال بصحة أصولها ، كما ذكره في مقدمة الخطابي  إذ قال : وكتاب أبي داود  هو أحد الكتب الخمسة التي اعتمد أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفاظ الحديث على قبولها والحكم بصحة أصولها ، يقول العراقي  معلقا على هذا : ولا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا في واقع الأمر (الباعث الحثيث ص47 بتصرف) . 

المقارنة بين السنن والمسانيد من حيث درجة الصحة :

وقد جعل المحدثون  (ومنهم ابن الصلاح  ) المسانيد في الدرجة الثالثة بعد الصحيحين والسنن ، وممن تكلم على هذه المسألة الحافظ  في تعجيل المنفعة ، حيث قال : وأصل وضع التصنيف للحديث على الأبواب (أي منهج أصحاب السنن) ،أن يقتصر فيه على ما يصلح للإحتجاج أو الإستشهاد بخلاف من رتب على المسانيد فإن أصل وضعه مطلق الجمع ، وهذا النص يرجح كتب السنن على كتب المسانيد ، ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه ، لأن بعض أصحاب السنن ، تساهلوا إلى حد ما في الإحتجاج بأحاديث ضعيفة ، ومن أبرزهم ابن ماجة  ، بينما تشدد بعض من صنف على طريقة المسانيد كأحمد  ، حتى قال شيخ الإسلام  بأن شرطه أعلى من شرط أبي داود حيث قال : شرط أحمد في المسند أقوى من شرط أبي داود في سننه ، وقد روى أبو داود عن رجال أعرض عنهم أحمد  في المسند ، وهذا يقتضي أن مسند أحمد أعلى شرطا من سنن ابن ماجة ، لأنها أدنى كتب السنن . 

   

سنن أبي داود  :

ومن أبرز من تكلم في سنن أبي داود من الباحثين المصريين ، الدكتور / عادل عبد الغفور حفظه الله ، وأنقل هنا كلامه بتصرف ، مع إضافة بعض الزيادات :

بداية نذكر كلام أبي داود  في رسالته الشهيرة إلى أهل مكة ، وفيها يبين منهجه في سننه ، حيث قال : ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه ، وما كان في كتابي هذا فيه وهن شديد بينته وليس فيه عن رجل متروك الحديث شيء وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح وبعضها أصح من بعض ، والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير (وهو لا يقصد الشهرة الإصطلاحية وإنما يقصد فشو هذه الأخبار بين ثقات الرواة) ، وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه .

نقد العلماء لنص أبي داود  :

كلام ابن الصلاح  :

وقد سار فيه طبقا للقاعدة التي اعتمدها (وهي منع إجتهاد المتأخرين في الحكم على الأحاديث) ، فقال  :

بأن ما صححه غيره من الأئمة المتقدمين  (بأن يرد الحديث في كتاب يشترط الصحة كالصحيحين ، أو يرد الحكم بصحته في كتاب يحكم مصنفه على الأحاديث كجامع الترمذي  ) فهو صحيح .

 

وأما ما سكت عنه أبو داود  (وهو ما عبر عنه بقوله : وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح) ، فهو متردد بين الصحة والحسن ولذا فإننا نحكم عليه بالحسن إحتياطا ، إلا إذا ورد ما يرفعه إلى مرتبة الصحة ، وهذا أصل المقولة الشهيرة بأن : (ما سكت عنه أبو داود  فهو حسن) وقد وافق المنذري ابن الصلاح  في هذه المسألة .   

  

 وقبل مناقشة ابن الصلاح  ، لابد من ذكر أقسام الحديث عند أبي داود  ، طبقا لكلامه في رسالته لأهل مكة وهي :

الصحيح وما يشبهه ويقاربه

الذي به وهن غير شديد

الذي به وهن شديد

ونلاحظ من كلام أبي داود  أنه لم يبين إلا القسم الثالث فقط وعلى هذا يكون ما سكت عنه أبو داود  ليس الحسن فقط (كما قال ابن الصلاح  ) وإنما النوعين 1 ، 2 بأكملهما وهما يشملان (الصحيح والحسن والحديث الضعيف الذي ضعفه غير شديد) ، وعلى هذا يمكننا مناقشة ابن الصلاح  كالتالي :

أن بعض ما جعلته حسنا بلا تفصيل قد يكون صحيحا .

وأن بعض ما جعلته حسنا بلا تفصيل قد يكون ضعيفا ضعفا غير شديد .

وعلى هذا فإن قول الجمهور هو الصحيح في هذه المسألة (كما في حالة مستدرك الحاكم ) ، وهو أن الناقد المتمكن لابد له من النظر في الحديث والحكم عليه بما يستحقه . ومن الجدير بالذكر أن أبا داود  ، لا يسكت على الضعيف إلا إذا كان معمولا به ، أي لا يكون ضعفه شديدا ، كأن يتقوى بظاهر القرآن ، وهذا يشبه ، كما نبه إلى ذلك الشيخ طارق عوض الله حفظه الله ، صنيع أحمد  ، حيث كان يقوي الضعيف بفتاوى الصحابة رضي الله عنهم .  

ما معنى (صالح ) في قول أبي داود  :

معناه أنه إما أن يكون صالحا للإحتجاج (وهو الصحيح والحسن) ، وإما أن يكون صالحا للإعتبار (الضعيف الذي ينجبر) ، وممن أشار إلى ذلك الشيخ مقبل رحمه الله حيث قال : منه ما هو صالح للحجية ومنه ما هو صالح للشواهد والمتابعات ، وقد وجدناه سكت عن أحاديث في "الصحيحين" ، وأحاديث تصلح في الشواهد والمتابعات ، وأحاديث ضعيفة .

 

 وقد نبه الشيخ طارق عوض الله حفظه الله إلى أن الحجة درجات ، وذلك كالتالي :

الحجة العالية أو الكاملة : وهي الصحيح أو الحسن .

الحجة الناقصة : وهي الضعيف المنجبر ، وهذا ما يطلق عليه في كتب الأصول ، جزء حجة ، فالحديث الضعيف لا يحتج به ابتداءا وإنما يحتج به إذا جاء ما يقويه ، فهو لا يقوم بنفسه ، كالقياس تماما ، فهو لا يقوم إلا بأصل يقاس عليه … الخ من شروط القياس ، ولا يمكن أن يستقل بنفسه ، وعلى هذا يحمل كلام بعض الأصوليين في كلامهم عن صحة الإحتجاج بقول الصحابي ، فمن قال بأن قول الصحابي حجة ، لم يرد بذلك الحجة الكاملة التي تستقل بنفسها ، وإنما أراد الحجة الناقصة التي تصلح للإستشهاد فقط ، ومن أبرز الأمثلة التي تفسر هذه المسألة :

قول ابن حبان  في الضعفاء : لا يعجبني الإحتجاج به إلا فيما وافق عليه الثقات ، فالحجة قائمة بالثقات الذين وافقهم لا به ، وعليه يكون المقصود من هذا الإحتجاج الإستشهاد أو الإستئناس فقط .

ويظهر هذا أيضا من صنيع أحمد حيث كان يرد حديث عمرو بن شعيب  إذا عارضه ما هو أقوى منه وقال لإبنه عبد الله  : ربما قبلت حديث عمرو بن شعيب وربما وجدت في القلب منه وفي رواية : وربما رددته ، فقبول أحمد  لحديث عمرو بن شعيب ، لا يعني احتجاجه به منفردا ، وإنما يعني الإستشهاد والإستئناس به .

 

نقد نص أبي داود   (وليس فيه عن رجل متروك الحديث شيء) :

وهذا نص أبي داود  ولكن الواقع يخالف هذا ، فقد  وجد في "سنن أبي داود" روايات عن مجاهيل وعن ضعفاء، بل روى أبوداود في "سننه" حديثًا من أحاديث جابر بن يزيد الجعفي في السهو في الصلاة من حديث المغيرة بن شعبة وقال عقبه ليس في كتابي عن جابر الجعفي غيره ،  فأبوداود إذا قال بهذا فهو لم يوف بشرطه ، وقد قال أبوداود : وما سكتّ عنه فهو صالح ، ووجدناه سكت عن أشياء، وجاء الحافظ المنذري وبيّن ضعفها، ثم جاء الحافظ ابن القيم وبيّن ما لم يبينه أبوداود ولا المنذري، ولا يزال المجال مفتوحًا للباحثين في "سنن أبي داود"، وكذلك رواية أبي داود مباشرة عن الشخص لا تكفي، فكم من محدث قيل عنه : إنه لا يروي إلا عن ثقة، ثم تجده قد روى عن ضعيف، وعن مجهول، كما في "الصارم المنكي في الرد على السبكي". وهذه إجابة الشيخ مقبل بن هادي رحمه الله على السؤال 80 في المقترح .

قول أبي داود  : (الأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير) :

وقد كان أبو داود  يفتخر بشهرة أحاديث كتابه  فهو لا يحتج بحديث غريب وهذا يدل على أن المشهور يطلق على كل حديث خرج عن حد الغرابة والشذوذ إما بورده عن طريق آخر أو بشيوع العمل بمقتضاه ، وهو خلاف ما استقر عليه المتأخرون في تعريف مصطلح المشهور (وهو ما رواه ثلاثة فأكثر_في كل طبقة_ما لم يبلغ حد التواتر) . وهذا يؤكد مجددا اختلاف ألفاظ المتقدمين عن الألفاظ التي اصطلح عليها المتأخرون وسارت عليه كتب المصطلح ، وهو ما أكد عليه الدكتور حمزة المليباري حفظه الله في بحثه النفيس (نظرات جديدة في علوم الحديث) ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

قول ابن عبد البر في حديث المسح على الخفين : إنه استفاض وتواتر.  وقد يريدون بالتواتر : الاشتهار ، لا المعنى الذي فسره به الأصوليون ، نقله العراقي  في التقييد والإيضاح . 

تتبع الشيخ حاتم الشريف حفظه الله لفظ التواتر في كلام المتقدمين قبل استقرار المصطلح المتعارف عليه عند المتأخرين حيث قال حفظه الله :  ومثل هذا الاستخدام لكلمة ( المتواتر ) ، على المعنى اللغوي ، يرد أيضاً في كلام من قبل الحاكم ؛ كأبي جعفر الطحاوي أحمد بن محمد بن سلامه المصري الحنفي ، المتوفى سنة 321هـ   ، وقبلهما وجدته في كلام الإمام البخاري  ، والإمام مسلم  ، وغيرهم .

 

ما روي عن أبي داود  بأنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه :

وقد نقل ابن كثير  في اختصار علوم الحديث  هذه الرواية عن ابن الصلاح  ، ويؤكد هذا ما ذكره ابن مندة  بأن أبا داود  يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره ، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال ، وهو بذلك يقتدي بصنيع شيخه أحمد بن حنبل  ، ولكنه لا يعقد بابا لحديث منكر أو شديد الضعف .

 

مسألة : هل ما قرره ابن الصلاح  من أن أبا داود  يسكت عن الحسن خاص بسننه أم يجري على بقية مصنفاته ؟ :

أيد ابن حجر  اطلاق هذه العبارة على كل مصنفات أبي داود  ولكن رأيه معارض بما قاله العراقي  بأن نص أبي داود  في رسالته صريح حيث قال : (ذكرت في كتابي هذا الصحيح …) ، فصنيعه لا يجري إلا على كتاب السنن .

مسألة : ضعف أبو داود بعض الأحاديث في سؤالات أبي عبيد الآجري ، وسكت عنها في السنن ، ومعلوم أن ما سكت عنه أبو داود  في السنن هو صالح ، والضعيف بلا شك غير صالح فكيف يمكن تفسير ذلك ؟ :

لا يلزم هذا الإستدراك ، لأن أبا داود   سكت عن الضعيف الذي يصلح للإعتبار ، فليس معنى تضعيفه المطلق لحديث في سؤالات أبي عبيد أنه لا يصلح للإعتبار ، فربما كان أبو داود يقصد بهذا التضعيف المطلق ، الضعيف الذي لم يشتد ضعفه ، وإنما يلزم الإستدراك إذا كان تضعيفه للحديث تضعيفا شديدا . ومع ذلك أورده في سننه وسكت عليه . وهذا كلام العراقي  (الباعث الحثيث ص59 ، طبعة مكتبة السنة) .

     

أهم ملامح منهج أبي داود في السنن : (نقلا عن حجية السنة ص191) :

عنايته بذكر الطرق واختلاف الألفاظ وزيادات المتون .

جمع الأحاديث التي استدل بها فقهاء الأمصار .

انتقى في كل باب مجموعة قليلة من الأحاديث خشية الإطالة .

لا يكرر الحديث إلا إذا اشتمل على زيادة مهمة ، وهو بذلك يميل لصنيع مسلم  .

اختصاره لبعض الأحاديث لبيان موضع الإستدلال ، وهو بذلك يميل لصنيع البخاري  .

كثيرا ما يشير إلى العلل الواردة في الأحاديث .

إذا لم يخرج أبو داود  في الباب إلا حديثا واحدا وسكت عنه فإننا لا نحكم عليه ابتداءا بأنه صحيح ، لأن أبا داود  يعقد الباب إذا وجد فيه الصحيح أو الحسن أو حتى الضعيف المنجبر ، فما يدرينا أنه صحيح ، وإنما الأصح أن يقال بأن هذا الحديث هو أقوى ما عنده في هذا الباب ، وفي هذا رد على ابن عبد البر  ، الذي قال بأن أبا داود  إذا خرج في الباب حديثا واحدا فقط فهو عنده صحيح ، وعليه فإننا إذا وجدنا حديثا يصلح لأن يخرج في هذا الباب ، ولكن أبا داود  أعرض عنه ، فإن هذا يعني أن هذا الحديث الذي لم يخرجه أضعف من الحديث الذي خرجه ، لأنه يخرج في الباب أقوى ما عنده ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، حديث أسماء رضي الله عنها : (إن المرأة إذا بلغت المحيض …) الحديث ، فقد خرجه أبو داود  في سننه وأعله بالإنقطاع بين خالد بن دريك  وعائشة رضي الله عنها ، ولم يخرج الرواية الموصولة من طريق ابن لهيعة  ، التي خرجها الطبراني  ، فيفهم من ذلك أن رواية خالد بن دريك  على إرسالها ، هي أقوى عنده من رواية ابن لهيعة  رغم أنها موصولة .

أبوداود  يصدر دوما الباب بالقوي المحتج به ، وقد يورد الضعيف جدا بعد ذلك ، مبينا ضعفه ، لا ليستشهد به ، فكأنه ينبه بذلك على عدم احتجاجه بهذا الضعيف جدا ، لكيلا يستدرك عليه أحد بإهماله لهذا الحديث .

يقول ابن سيد الناس  بأن أبا داود  شأنه شأن مسلم  في تقسيم الحديث حيث قسم مسلم الرجال إلى 3 طبقات :

الطبقة الأولى : وهي طبقة من يحتج بحديثهم .

الطبقة الثانية : طبقة من يوصف بأنه صدوق ، كعطاء بن السائب  .

الطبقة الثالثة : الضعفاء جدا والمتروكون .

وقد احتج مسلم  بأحاديث رجال الطبقة الأولى ، ثم أتبعها بأحاديث الطبقة الثانية ، وغالبا ما يكون ذلك على سبيل الإستشهاد ، وعلى هذا يقال بأن مسلم  يخرج الصحيح وما قريب منه ، وهذا يشبه كلام أبي داود  الذي يقول : (ذكرت الصحيح وما يشابهه) ، فمسلم  لم يفرق بين الصحيح والحسن وإنما ذكر كليهما تحت مسمى الصحيح (على اختلاف مراتبه) ، فلماذا لا يقال نفس الكلام على صنيع أبي داود  ، ويقال بأن كل ما سكت عنه أبو داود  صحيح وليس حسن ؟ ويرد العراقي  فيقول : لأن مسلم  ذكر أن هذه الأحاديث عنده صحيحة ، فقد اشترط  الصحة ، بينما لم يشترط أبو داود  الصحة ، وإنما ذكر الصحيح وما يشابهه ، فما سكت عنه ، ربما كان حسنا أو صحيحا .

 

الثلاثيات في سنن أبي داود  :

في سنن أبي داود  حديث ثلاثي واحد .

 

مسألة : الزيادات على سنن أبي داود  :

وهي زيادات أبي سعيد أحمد بن محمد ابن الأعرابي  ، أحد رواة الكتاب عن أبي داود .

 

سنن الترمذي  : 

ومن أهم مميزات جامع الترمذي  أنه مرجع مهم جدا في الحكم على الأحاديث ، فهو ينص على درجة أحاديثه صراحة ، فيقول مثلا : هذا حديث صحيح ، أو حسن صحيح ، أو غريب … الخ .

تميز الترمذي  في جامعه بمصطلحات خاصة به في جامعه ومن أبرزها مصطلح "حسن صحيح" الذي اختلف فيه النقاد اختلافا كبيرا وقبل الشروع في ذكر أقوال العلماء  في هذا الشأن لابد من إلقاء نظرة سريعة على جامع الترمذي  الذي اشتهر باسم سنن الترمذي :

اقتصر الترمذي  غالبا على الأحاديث المرفوعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم (حجية السنة وتاريخها ص190) . وهذا أمر أغلبي وإلا فجامع الترمذي  كمثال لكتب السنن يحتوي على موقوفات ومقطوعات حيث كان الترمذي  يعنى بذكر عمل الصحابة أو التابعين أو غيرهم بمقتضى الحديث الذي هو بصدد تصحيحه ، بل إن تحسينه كان مبنياً على ثبوت العمل به من بعض الصحابة. وهذا ما يعبر عنه الترمذي  في أكثر من موضع في جامعه بقوله (وعليه العمل عند العلماء أو بعضهم) ونحو ذلك . وتميز جامع الترمذي  بعدة خصائص لخصها د/ حسين شواط في كتابه حجية السنة ص192 في النقاط التالية :

أنه عرض كتابه هذا على علماء الحجاز والعراق وخراسان فاستحسنوه ، فحصل له القبول من أهل زمانه .

أنه اقتصر على إيراد الأحاديث التي عمل بها فقهاء الأمصار . حيث قال : وجميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به وقد أخذ به بعض العلماء ما خلا حديثين حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر وحديث : "إذا شرب فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" اهـ . قلت (أي الشيخ ابن عثيمين  في مذكرته في المصطلح ص41) : بل أخذ الإمام أحمد  بمقتضى حديث ابن عباس رضي الله عنه في الجمع فأجاز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء للمريض ونحوه وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما لم فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ؟ فقال : أراد أن لا يحرج أمته فدل على أنه كلما لحق الأمة حرج في ترك الجمع جاز الجمع . وأما حديث قتل شارب الخمر في الرابعة فقد أخذ به بعض العلماء فقال ابن حزم  : يقتل في الرابعة بكل حال وقال شيخ الإسلام : يقتل عند الحاجة إلى قتله إذا لم ينته الناس بدونه ، وعلى هذا فلا إجماع على ترك العمل بالحديثين .

 أنه أول كتاب شهر الحديث الحسن ، لكثرة ذكر الترمذي  لذلك عند الكلام على الأحاديث (كما سيأتي تفصيلا إن شاء الله) .    

 حكم الترمذي  في كتابه على أكثر الأحاديث وتكلم عليها بما يقتضي التصحيح أو التضعيف . قال ابن رجب  : "اعلم أن الترمذي  خرج في كتابه الصحيح والحسن والغريب ، والغرائب التي خرجها فبها بعض المنكر ولا سيما في كتاب الفضائل ولكنه يبين ذلك غالبا ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب متفق على اتهامه بإسناد منفرد ، نعم قد يخرج عن سيئ الحفظ ومن غلب على حديثه الوهن ويبين ذلك غالبا ولا يسكت عنه" اهـ . ويؤكد د/ حسين شواط على ضرورة عرض أحاديث جامع الترمذي  على قواعد الجرح والتعديل ، وقد جرد الشيخ الألباني  أحاديثه المقبولة في صحيح جامع الترمذي ، وهو إن لم يحكم صراحة (بصحة أو حسن ، الخ ......) ، فإنه يحكم بإبراز علل الأحاديث إن وجدت ، ومن ذلك إعلاله لحديث : (لزوال الدنيا أهون على الله من إراقة دم مسلم ) ، أو كما قال لى الله عليه وسلم ، في أول كتاب الديات ، حيث ذكر إختلاف العلماء في رفعه ووقفه ، ثم حكم بوقفه ، وهذا إعلال للرواية المرفوعة بالموقوفة .

يعنون للباب غالبا بالحكم الذي يدل عليه أصح أحاديث ذلك الباب .

أورد فيه كثيرا من فقه الصحابة والتابعين ومذاهب فقهاء الأمصار ، فهو من أهم مصادر دراسة الفقه المذهبي وقد سبق أن الترمذي  في  تحسينه لبعض الأحاديث كان يعتمد على ثبوت العمل بها من بعض الصحابة .

يختصر الترمذي طرق الحديث فيذكر أحدها ويشير إلى غيرها ، بقوله وفي الباب عن فلان ، وأحيانا يشير إلى من دون الصحابي ، مثل قوله : وقد روي هذا الحديث عن صفوان بن عسال رضي الله عنه من غير حديث عاصم  ، أي حديث المسح على الخفين . فقد أشار هنا إلى من دون الصحابي ، وهو عاصم  .

ذيل جامعه بكتاب بكتاب العلل ، وفيه فوائد نفيسة ، أثرى الحافظ  الحنبلي في شرحه عليها وذكر فيها جملة مسائل مهمة في علم الجرح والتعديل مثل ذكر طبقات أتباع بعض الرواة كابن عمر رضي الله عنه ونافع  وذكر المختلطين ومن روى عنهم وذكر من كانت روايته في بلد أصح من روايته في بلد آخر ، وقد نبه الشيخ طارق عوض الله حفظه الله إلى أن علل الترمذي  هي تكميل لكتابه الجامع ، وليست مصنفا مستقلا ، وقد امتاز الترمذي  في جامعه بنصه على العلل صراحة ، حيث يذكر أقوال الأئمة  في بيان علل هذا الحديث ، وربما وافقهم ، وربما عارضهم .

اهتم الترمذي  ببعض الدقائق الحديثية ، كاهتمامه  بتسمية المكنين .

ومن أبرز من تكلم على مزايا جامع الترمذي  :

ابن رشيد  حيث قال : إن كتاب الترمذي  تضمن الحديث مصنفا على الأبواب وهذا علم برأسه ، والفقه ، وهذا علم ثان ، وعلل الحديث ، وهذا علم ثالث ، (وهو يشتمل على بيان الصحيح من السقيم وما بينهما من المراتب) ، والأسماء والكنى ، وهذا علم رابع ، والتعديل والتجريح ، وهذا علم خامس ، ومن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ومن لم يدركه ممن أسند عنه في كتابه ، وهذا علم سادس ، وتعديد من روى هذا الحديث ، وهذا علم سابع ، فهذه علومه المجملة ، وأما علومه التفصيلية فكثيرة .

أبو بكر العربي  حيث قال بأن في الجامع 14 علما ، فقد صنف وأسند وصحح وأسقم وعدد الطريق وجرح وعدل وأسمى وأكنى ووصل وقطع وأوضح المعمول به والمتروك وبين اختلاف العلماء في الرد والقبول لآثاره ، وذكر اختلافهم في تأويله وكل علم من هذه العلوم أصل في بابه .

 

ومن المسائل المهمة التي تطرق إليها الشيخ الحميد حفظه الله في محاضراته عن مناهج الأئمة ، تأثر الترمذي  بشيخيه البخاري ومسلم  ، وبين حفظه الله تأثر الترمذي  بكل واحد منهما على حدة ، وذلك كالتالي :

أولا : بشيخه البخاري  :

ويظهر هذا جليا في الجوانب الفقهية ، وخاصة في تراجم أبوابه التي بناها على استنباطاته الفقهية ، تماما كشيخه البخاري  ، ولكنه زاد عليه اهتمامه بذكر أقوال أهل العلم ، وربما أورد اختلافهم ، وربما رجح بين الآراء ، فهو من المراجع المهمة لدراسة الفقه المقارن ، كما سبق ذكره .

ثانيا : بشيخه مسلم  :

ويظهر هذا في بعض الدقائق في الصناعة الحديثية ومن أبرزها :

أنه يقرن شيوخه عند إيراده لروايته عنهم ، فيورد المتن الواحد بإسنادين ، بمساق واحد ، كقوله ، حدثنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر .

أنه  قد يورد هذا الحديث الذي قرن فيه شيوخه ، بهذه الأسانيد عن شيوخه مستقلا سندا ومتنا ، ولكنه في الغالب إذا فعل ذلك ، فإنه يكرر المتن لأجل الإختلاف الوارد في المتن أو لما فيه من زيادة ، وأما إذا كان المتن هو نفس المتن ، أو فيه اختلاف يسير ، فإنه يورد الإسناد الثاني ويشير إلى المتن إشارة كقوله (بمثله ، أو نحوه) ، وهذه طريقة مسلم  .

أنه يستخدم طريقة التحويل في الأسانيد ، وقد أكثر منها مسلم  في صحيحه ، خلاف البخاري  ، كما نبه إلى ذلك النووي  في شرحه لصحيح مسلم  .

 

 

 

  

أهم المصطلحات التي استخدمها الترمذي في جامعه :

حسن :

ونبدأ بتعريف الترمذي  للحسن كما ذكره في آخر العلل التي في آخر الجامع حيث اشترط له :

 أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب .

 ولا يكون شاذا .

 وأن يروى من غير وجه .

 وفي معرض نقد بعض العلماء لهذا التعريف قالوا : بأن الشرطين الأول والثاني ينطبقان على الصحيح أيضا فيشترط له  أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون شاذا فالشرط الثالث هو الذي يميز الصحيح من الحسن لأن الصحيح لا يشترط له تعدد الأوجه ويرد هنا اعتراض آخر وهو أن الحسن لذاته لا يشترط له أيضا تعدد الأوجه ويشترط في راويه العدالة والضبط "وإن كان الضبط خفيفا" بينما الشرط الأول في تعريف الترمذي  يشمل من هو دون راوي الحسن لذاته فغايته ألا يكون في سنده متهم بالكذب فيخرج الحسن لذاته من حد التعريف ويكون تعريف الترمذي  قاصرا على نوع واحد فقط من الحسن وهو الحسن لغيره (وهو الذي يحتاج إلى أكثر من وجه ليزول ضعفه كالمرسل الذي يتقوى بالشروط التي حررها العلماء ليصل إلى درجة الحسن لغيره ويكون صالحا للاحتجاج خلافا للحسن لذاته الذي يحتج به ابتداء دون اشتراط وروده من وجه آخر ، بل إن وروده من وجه آخر قد يصل به إلى درجة الصحيح لغيره) . وقد اعترض الحافظ ابن كثير  على اشتراط الترمذي  تعدد الطرق  بقوله : وهذا إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قاله ففي أي كتاب له قاله ؟ وأين إسناده ؟ وإن كان فهم من اصطلاحه في كتابه "الجامع" فليس ذلك بصحيح ، فإنه يقول في كثير من الأحاديث : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد استدرك الحافظ العراقي  على ابن كثير  إنكاره لوجود هذا التعريف لأنه موجود في آخر كتابه العلل وأما اعتراضه بقول الترمذي  هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه فمن الممكن الرد عليه بأن الترمذي  يعني بهذا المصطلح الحسن لذاته ولا يشترط فيه تعدد الطرق (الباعث الحثيث ص53-54 طبعة مكتبة السنة) ، ويعلق الشيخ أحمد شاكر على شرط تعدد الأوجه بأن الترمذي لا يريد بقوله في بيان معنى الحسن "ويروى من غير وجه نحو (ذلك)" أن نفس الحديث عن الصحابي يروى من طرق أخرى ، لأنه لا يكون حينئذ غريبا ، وإنما يريد أن لا يكون معناه غريبا : بأن يروى المعنى عن صحابي آخر ، أو يعتضد بعمومات أحاديث أخر ، أو بنحو ذلك ، مما يخرج به معناه عن أن يكون شاذا غريبا . فتأمل (الباعث الحثيث ص56 طبعة مكتبة السنة) . وقد تعرض الشيخ السعد حفظه الله لتفسير قول الترمذي  : (وأن يروى من غير وجه) ، وقال بأن هذا يحتمل أحد أمرين :

إما أن يروى لفظه من غير وجه .

وإما أن يروى معناه من غير وجه وهو الأقرب ، لأن التقوية قد تكون لذات الخبر وقد تكون لمعناه (وغالبا ما يكون ذلك في الحسن لغيره) ، ويدل على ذلك قول الترمذي  : وفي الباب عن فلان وفلان ، ويذكر أحاديث بمعنى الحديث الأول أو تتعلق بالمسألة التي يدور حولها الحديث الأول ، ولا تكون هذه الأحاديث بنفس لفظ الحديث الأول . والشيخ حفظه الله بترجيحه التفسير الثاني يؤيد ما ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر  فيما تقدم .          

وقد أثنى العلماء على صنيع الترمذي  بتفريقه بين الشرطين الثاني والثالث فلا يكفي أن يرد الحديث من أكثر من وجه حتى يرتفع لدرجة الحسن لغيره فربما كانت هذه الطرق المتعددة معلولة (كأن يكون رواتها متهمين بالكذب) فهي لا تصلح للمتابعة فلا تتقوى ولا يتقوى بها . ومن الأمثلة التي يتضح بها صنيع الترمذي  حكمه على حديث علي رضي الله عنه : (من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا وأن يأكل شيئا قبل أن يخرج) فقد رواه الترمذي (530) وقال حديث حسن وفي اسناده ضعف لكن له شواهد لا يخلو كل منها من ضعف من حديث سعد القرظي وأبي رافع ومرسل سعيد بن المسيب ومرسل الزهري وبمجموع هذا كله فالحديث حسن وقد حسنه الألباني   . والمتتبع لأقوال العلماء في صنيع الترمذي في جامعه يتضح له أن هناك بعض التساهل في تصحيح وتحسين الترمذي  لبعض الأحاديث ومنهم ابن دحية  الذي يقول : كم حسن الترمذي من أحاديث موضوعة وأسانيد واهية . وقال الحافظ الذهبي  : لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي ، والترمذي ، كما يقول الشيخ مقبل رحمه الله ، أكثر تساهلاً من ابن حبان ، فالحافظ الذهبي قال في ترجمة كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف وقد ذكر حديث: ((المسلمون على شروطهم)) : وأما الترمذي فصحح حديثه ، ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه ، لأنه ذكر في ترجمة كثير بن عبدالله عن الإمام الشافعي وأبي داود قولهما : أنه ركن من أركان الكذب .

 

وقال في ترجمة يحيى بن يمان : وقد ذكر في ترجمته حديثًا وهو أنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ناراً في المقبرة ، وذهب فإذا هم يحفرون بالليل ودفن في الليل ، قال الذهبي : حسّنه الترمذي ، وفي سنده ثلاثة ضعفاء ،  فعند المحاققة غالب تحسينات الترمذي ضعاف ، وجدير بالذكر أن الدفن جائز في الليل لأدلة أخرى ، كما هو معلوم .

وقال الألباني  في معرض تعليقه على حديث ابن عمر في القراءة عند القبور في أحكام الجنائز حينما تكلم على أحد رواة الحديث وهو عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج : ومما يؤيد ما ذكرنا "من جهالة عبد الرحمن" أن الترمذي  مع تساهله في التحسين لما أخرج له حديثا آخر (2/128) وليس له عنده غيره سكت عنه ولم يحسنه . (أحكام الجنائز ص 244 مكتبة المعارف) . وقد نبه الشيخ عبد الله السعد حفظه الله على أن الحسن عند الترمذي  هو الحديث الذي به ضعف أو به علة وذكر بعض الأمثلة على هذا ومنها :

حديث دخول المسجد وقال فيه : (حديث حسن وإسناده ليس بالمتصل) .

حديث سعيد بن أبي هلال عن عمر بن إسحاق عن عائشة وقال فيه : (حديث حسن وإسناده غير متصل لأن عمر لم يسمع من عائشة) .

حديث خيثمة البصري عن الحسن عن عمران وقال فيه : (حديث حسن وإسناده ليس بذاك) .

 حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة : (من سلك طريقا يلتمس فيه علما) حديث حسن ونقل الحافظ  في النكت أنه لم يقل حسن صحيح لأنه ذكر أن الأعمش دلسه عن أبي صالح وهذه الزيادة غير موجودة في نسخ الترمذي  .

وقد تتبع أحد الباحثين المصريين (يدعى الدكتور بدران ، وهو أستاذ المادة في معهد علوم القرآن والحديث في القاهرة) ، الأحاديث التي حكم عليها الترمذي بقوله : "حسن" ، فوجدها 931 حديثا .

 

حسن غريب : فقد قال بعض العلماء أن مصطلح (حسن غريب) يقصد به الترمذي  أن متن الحديث سليم من الشذوذ والغرابة، لكن السند فيه غرابة وإشكال . ومما يزول به شذوذ المتن أن يكون قد عمل به بعض الصحابة مثلا (وكثيرا ما يلجأ الترمذي إلى ذلك فيقول مثلا والعمل عليه عند أهل العلم) ، وقد مال الألباني رحمه الله في مقدمة الترغيب والترهيب ، إلى تقديم "الحسن الغريب" ، على "الحسن" ، وفي هذا نظر . وهناك من فرق بين قول الترمذي  (حسن غريب من هذا الوجه) وقوله (حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) فقالوا :

 (حسن غريب من هذا الوجه) : يعني الترمذي  بالغرابة هنا الغرابة النسبية فقد لا يرد الحديث عن الصحابي الذي رواه إلا من طريق واحد فيكون غريبا من هذا الوجه ولكنه ورد عن صحابة آخرين من طرق أخرى فزالت الغرابة المطلقة بهذه الطرق ولم تزل الغرابة النسبية لأنه لم يرد عن هذا الصحابي من طريق آخر . (فهو غريب الإسناد لا المتن)

 وأما (حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) : فهذا تأكيد منه على غرابته المطلقة وقال بعض العلماء أن الترمذي  يعني بهذا القول الحسن لذاته لأنه لا يحتاج إلى طريق آخر ليرتقي إلى الحسن فهو حسن بدون وروده من طريق آخر وهذا هو الحسن لذاته . (فهو غريب الإسناد والمتن)

 قوله : وفي الباب عن فلان وفلان : لا يعني أن هؤلاء الصحابة رووا ذلك الحديث المعين بلفظه ، إنما يقصد وجود أحاديث أخرى يصح إيرادها في ذلك الباب . (حجية السنة ص193) ومن الأمثلة التي تؤيد هذا الرأي ما رواه الترمذي  وحسنه من طريق شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرضيت من نفسك ومالك بنعلين ؟ قالت : نعم ، فأجاز حيث قال الترمذي  عقبه : " وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي حدرد)" .

وأما مصطلح (هذا أصح شيء في الباب وأحسن) فيفيد الصحة عنده ، بخلاف قوله : (أحسن شيء في هذا الباب حديث فلان) أو (أصح شيء في هذا الباب حديث فلان) ، إذ لا يفيد إلا مطلق الترجيح من بين المرويات التي وردت في الباب ، وهذا ما تبين لي (أي الدكتور / حمزة المليباري) بالاستقراء ، حيث يستخدم الإمام الترمذي في سننه مصطلح (حديث فلان أحسن وأصح) فيما صححه البخاري ومسلم . وعليه فإن هذا المصطلح المركب يكون آكد في إفادة الصحة من قوله المعتاد : (حسن صحيح) .   والله أعلم .

حسن صحيح : وهو المصطلح الذي وقع فيه أكثر الخلاف بين العلماء وأقوالهم تتلخص في الأقوال التالية :

أنه ورد بإسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن وعلى هذا يكون الحديث أعلى درجة من الحديث الذي قال فيه الترمذي  "صحيح" فقط . وقد استدرك على أصحاب هذا الرأي بقول الترمذي  في حكمه على بعض الأحاديث بقوله (حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) فالحديث هنا ليس له إلا سند واحد فقط ومع ذلك وصفه الترمذي  بالحسن والصحة معا . ومن أمثلته حكم الترمذي  على حديث إخبار الذئب للراعي ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : "وهذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل" . ولكن الشيخ عبد الرحمن الفقيه حفظه الله يؤكد على أن قول الترمذي : "وهذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" ، لا يعني عدم ورود الحديث من طرق أخرى ولكنه يعني أنه لا يعرفه من طريق صحيح إلا من هذا الطريق ، فقد يفهم البعض عندما يجد طريقا آخر غير ما ذكره هذا الإمام أن هذا قد فاته ، ويستدرك عليه ، وقد نبه الحافظ ابن حجر  على هذه المسألة في النكت على ابن الصلاح وبين مقصود الأئمة بذلك: قال الحافظ ابن حجر  في النكت على ابن الصلاح(2/721-723) : ولما أخرج الترمذي حديث ابن جريج المبدأ بذكره في (( كتاب الدعوات )) من جامعه عن أبي عبيدة بن أبي السفر ، عن حجاج قال : هذا حديث حسن [صحيح] غريب لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه انتهى  .وهو متعقب أيضاً وقد عرفناه من حديث سهيل من غير هذا الوجه فرويناه في الخلعيات مخرجاً من أفراد الدار قطني من طريق الواقدي ثنا عاصم ابن عمر وسليمان بن بلال كلاهما عن سهيل به . ورويناه في كتاب الذكر لجعفر الفرباني قال : ثنا هشام بن عمار . ثنا إسماعيل بن عياش . ثنا سهيل به. ورويناه في (( الدعاء )) للطبراني من طريق ابن وهب قال : حدثني محمد بن أبي حميد عن سهيل .
فهؤلاء أربعة رووه عن سهيل من غير هذا الوجه الذي أخرجه الترمذي .  فلعله إنما نفى أن يكون يعرفه من طريق قوية ، لأن الطرق المذكورة لا يخلو واحد منها من مقال .
أما الأولى : فالواقدي متروك الحديث .
وأما الثانية : فإسماعيل بن عياش مضعف في غير روايته عن الشاميين . ولو صرح بالتحديث .
وأما الثالثة : فمحمد بن أبي حميد وإن كان مدنياً ، لكنه ضعيف أيضاً
وقد سبق الترمذي أبو حاتم إلى ما حكم به من تفرد تلك الطريق عن سهيل ، فقال : فيما حكاه ابنه عنه في العلل : (( لا أعلم روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في شئ من طريق أبي هريرة رضي الله عنه . قال : وأما رواية إسماعيل بن عياش ، فما أدري ما هي ؟ إنما روى عنه إسماعيل أحاديث يسيرة )) . فكأن أبا حاتم استبعد أن يكون إسماعيل حدث به ، لأن هشام بن عمار تغير في آخر عمره ، فلعله رأى أن هذا مما خلط فيه ، ولكن أورد ابن أبي حاتم على إطلاق أبيه طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة التي قدمناها ، ثم اعتذر عنه بقوله : كأنه لم يصحح رواية عبد الرحمن بن أبي عمرو عن المقبري (فكأن الطريق المعلولة لا تأخذ في الإعتبار) وهذا يدلك على أنهم قد يطلقون النفي ، ويقصدون به نفي الطرق الصحيحة ، فلا ينبغي أن يورد على إطلاقهم مع ذلك الطرق الضعيفة والله الموفق . انتهى .

ويشير الشيخ عبد الله السعد حفظه الله إلى أن مصطلح "حسن صحيح" يعني أن هذا الحديث دون الصحيح وإن كان ثابتا عنده وساق الشيخ حفظه الله مثالا لهذا وهو حديث محمد بن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة وقال عنه حسن صحيح ثم ساقه من طريق ابن أبي ذئب  عن المقبري عن أبي هريرة وقال عنه : هذا حديث صحيح وهو أصح من الأول .

وقد نبه الشيخ حمزة المليباري في الموازنة ( ص 118-122 ) على أن البعض قد يستدرك على الحفاظ إذا قالوا  لايعرف من هذا الوجه بطرق غريبة متأخرة عن زمن هذا الإمام وذكر أمثلة لذلك .

ومن الأمثلة التي استخدم فيها الترمذي  هذا المصطلح مع ورود الحديث من طرق أخرى حديث زكاة الفطر وزيادة مالك  : "من المسلمين" حيث قال الترمذي  في آخر العلل : ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث . وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك بن أنس_ فذكر الحديث_ثم قال : وزاد مالك في هذا الحديث  "من المسلمين" ، وروى أيوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر ولم يذكروا  فيه  "من المسلمين" . وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه . انتهى كلام الترمذي  ومن هذه المتابعات ما رواه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع وما رواه البخاري وأبو داود والنسائي من طريق عمر بن نافع عن أبيه . وقال العراقي في شرحه على المقدمة مدافعا عن الترمذي ، بأنه لم يذكر التفرد مطلقا عن مالك ، وإنما قيده بتفرد الحافظ كمالك  "فهناك متابعات لمالك  ولكنها ليست لحفاظ  كمالك ".

ويرد على هذا الرأي أيضا ، حكم الترمذي رحمه الله على بعض أحاديث جامعه بقوله : هذا حديث حسن صحيح غريب ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

حديث : (إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي) ، حيث حكم عليه الترمذي بقوله : هذا حديث حسن صحيح غريب .

حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، أنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي يده كتابان ، فقال : هل تدرون ما هذان الكتابان ؟ ، قال : قلنا : لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله . قال للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من رب العالمين تبارك وتعالى بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل عليهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص أبدا . ثم قال للذي في يساره : هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص أبدا ، الحديث . حيث حكم عليه الترمذي بنفس الحكم السابق .

حديث : (اللهم اهد ثقيفا) ، حيث حكم عليه أيضا بنفس الحكم .

فقد وصف الترمذي رحمه الله هذه الأحاديث بالحسن والصحة معا ، ومع ذلك حكى رحمه الله التفرد بقوله : غريب ، ولكن ، قد يرد على هذا ، أن الترمذي رحمه الله لم يحكم بالغرابة المطلقة ، فلم يقل : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، فلعل الغرابة هنا نسبية ، لا تمنع ورود الحديث من طريق آخر ، والله أعلم .

 

 

أنه حسن متنا وصحيح إسنادا ، وهو رأي ابن الصلاح  ، واستدرك على هذا القول بأن حسن المتن غير معتبر في الحكم على الأحاديث وقد أورد الترمذي  أحاديث في الوعيد والحدود ونحو هذا وحكم عليها بالحسن والصحة ولكن يمكن الرد على هذا الإعتراض بأن حسن المتن لا يلزم منه أن يكون من الحديث من أحاديث الوعد فحسن البيان يشمل كل أنواع الحديث ، وممن انتقد هذا التعريف ، الحافظ ابن دقيق العيد  في الإقتراح ، حيث قال  بأنه يلزم من هذا ، أن يوصف الحديث الضعيف بل والموضوع بالحسن ، إذا كانت ألفاظه جزلة ، وقد رد الحافظ العراقي  على ابن دقيق العيد  ، بقوله بأن هذا المعنى ، الذي ذكره ابن الصلاح  ، قد وجد في كلام بعض أهل العلم ، وممن أكثر من استخدامه ، الحافظ ابن عبد البر  ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

حديث معاذ : (تعلموا العلم فإن تعلمه …) ، حيث أورده ابن عبد البر  في جامع بيان العلم ، وقال عنه : هذا حديث حسن جدا ، رغم أنه موضوع ، فابن عبد البر  ، لم يقصد هنا الحسن الإصطلاحي ، وإنما عنى حسن اللفظ .

روى ابن عبد البر  في التمهيد ، حديثا عن مالك  ، من طريق بعض الضعفاء ، في فضل لا إله إلا الله ، ورغم أن الحديث مردود من الناحية الإسنادية ، إلا أن ابن عبد البر  قال عنه : هذا حديث حسن جدا ، ترجى بركته .     

 أن لفظ الحسن يعني العمل بالحديث ولفظ الصحة يعني الصحة بمعناها الاصطلاحي . وممن تبنى هذا الرأي الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة  حيث قال : والذي يظهر أن الحسن في نظر الترمذي  أعم من الصحيح ، فيجامعه وينفرد عنه ، وأنه في معنى المقبول المعمول به ، الذي يقول مالك  في مثله : (وعليه العمل ببلدنا) وما كان صحيحا ولم يعمل به لسبب من الأسباب يسميه الترمذي "صحيحا" فقط وهو مثل ما يرويه مالك في موطئه ويقول عقبه : "وليس عليه العمل" . وكأن غرض الترمذي  أن يجمع في كتابه بين الأحاديث وما أيدها من عمل القرون الفاضلة من الصحابة ومن بعدهم . فيسمي هذه الأحاديث المؤيدة بالعمل حسانا ، سواء صحت أو نزلت عن درجة الصحة ، وما لم تتأيد بعمل لا يصفها بالحسن وإن صحت . ويؤيد هذا الرأي قول الترمذي  في حديث علي رضي الله عنه : (من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا وأن يأكل شيئا قبل أن يخرج) : حديث حسن والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيا وأن يأكل شيئا قبل أن يخرج . ولكن هذه القاعدة غير مطردة في صنيع الترمذي  فقد حكم على حديث الترجيع بأنه صحيح عليه العمل بمكة ولم يعبر عن التأييد بالعمل بلفظ "حسن" .

 أنه متردد بين الحسن والصحة فهو صحيح عند قوم حسن عند آخرين ، وهذا رأي الحافظ ابن كثير  ، وعلى هذا يكون الحديث أعلى من الحسن وأدنى من الصحيح ، ولعل مما يؤيد هذا الرأي المثال الذي ساقه الشيخ السعد حفظه الله تأييدا لهذا الرأي ، وهو حديث محمد بن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة وقال عنه حسن صحيح ثم ساقه من طريق ابن أبي ذئب  عن المقبري عن أبي هريرة وقال عنه : هذا حديث صحيح وهو أصح من الأول .

 وقد ذكر الحافظ  هذا الرأي في شرح النخبة وقال بأن أداة التردد (أو) حذفت فالمقصود (حسن أو صحيح) وقد استدرك على أصحاب هذا الرأي من ثلاثة أوجه :

 أن الترمذي  يحكم على معظم الأحاديث التي يصححها بقوله (حسن صحيح) وقل ما يحكم على حديث بالصحة فقط . ولا يعقل أن الترمذي تردد في الحكم على معظم الأحاديث التي أوردها في جامعه .

 أن الترمذي  حكم على أحاديث في أعلى مراتب الصحة بل ووردت في الصحيحين بقوله "حسن صحيح" فلا يعقل أنه تردد في تصحيح هذه الأحاديث .

وقد علق الحافظ ابن حجر  على هذا بقوله ، إن هذا التردد في الحكم على الحديث بالحسن أو الصحة ، يقتضي إيجاد نوع ثالث ، هو وسط بين الصحيح والحسن ، وهذا غير واقع في كلام أهل العلم .

 

نبه الشيخ طارق عوض الله حفظه الله ، إلى أن بعض المحدثين ، قد يطلقون وصف الحسن على معنى خاص في السند أو المتن ، لا علاقة له بالحكم على الحديث من ناحية القبول أو الرد ، فيكون هذا كقول القائل : هذا حديث صحيح موقوف ، فالوقف لا علاقة له بقبول الحديث أو رده ، وإنما هو حكاية صفة من صفات المتن ، وهي وقفه .

أن هذا الحديث حسن وزيادة ، فكأن الترمذي  يقول : هذا حديث حسن بل صحيح ، فكل صحيح حسن ، ولا عكس ، لأن من أحرز المرتبة العليا ، فقد أحرز بلا شك المرتبة الدنيا ، ولا عكس ، وهذا رأي الحافظ ابن دقيق العيد  .

وقد جمع الحافظ  ، بين رأي من قال بتعدد الأسانيد ، ورأي من قال بالتردد في الحكم على الحديث ، فقال  ، بأن الحديث الذي يحكم عليه الترمذي  ، بأنه حسن صحيح ، إما :

أن يكون له إسناد واحد ، ففي هذه الحالة ، يحمل قول الترمذي على التردد في الحكم على الحديث ، فيكون الحديث حسنا أو صحيحا ، فكأن الترمذي  يحكي في هذه الحالة اختلاف الأئمة في حال راوي هذا الحديث ، فمن وثق هذا الراوي ، سيحكم على الحديث بأنه صحيح ، ومن حكم عليه بأن صدوق ، أو ما إلى ذلك ، من أوصاف راوي الحسن ، التي تشعر بخفة الضبط مع تمام العدالة ، سيحكم على حديثه بالحسن .

وإما أن يكون له أكثر من إسناد ، فيكون هذا الحديث حسنا باعتبار إسناد ، صحيحا باعتبار إسناد آخر .

وهذا رأي الحافظ  في النزهة ، ولم يأخذ به في النكت ، وإنما أخذ برأي ابن دقيق العيد  السابق ذكره .

 

وهناك عدة ردود على رأي الحافظ  ، من أبرزها :

أن الترمذي  مجتهد وليس ناقلا لأحكام من سبقه من أهل العلم ، فإذا قلنا بأن الترمذي  ينقل خلاف من سبقه في حال راوي الحديث ، فهذا يعني أن الترمذي  ، قد خرج أحاديث مختلف في حال رواة معظمها ، ولم يحكم على أحاديث كتابه كناقد مجتهد ، وهذا خلاف الواقع .

أنه حكم على أحاديث رواتها في أعلى درجات التوثيق ، بقوله : حسن صحيح ، كبعض أحاديث سلسلة مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما ،  فأي خلاف في حال رواة هذه السلسلة يحكيه الترمذي  ، وقد أجمع الأئمة على توثيقهم ؟ .

ويرد سؤال مهم في هذا الموضع ، وهو : هل اختلف العلماء في حال رواة الأحاديث التي لها سند واحد فقط ، حتى يقال بأن قول الترمذي  هو حكاية لخلافهم في التحسين أو التصحيح ؟ والجواب ، بطبيعة الحال : لأن الواقع يظهر خلافهم في رواة أحاديث لها أكثر من إسناد .

والناظر إلى صنيع الترمذي  ، يجده يحكي الخلاف صريحا ، إذا ما وجد ، فيذكر أقوال أهل العلم في الراوي المختلف فيه ، ثم يرجح بينها كإمام مجتهد في أحكامه ، فلم يلجأ إلى هذه الطريقة الغامضة في حكاية الخلاف ؟ .

ويرد سؤال آخر ، وهو هل الخلاف ينحصر بين الحسن والصحة فقط ، أم أنه يشمل الخلاف بين الصحة والضعف ، والحسن والضعف ، فلم لم يقل الترمذي  : حسن ضعيف ، أو صحيح ضعيف ؟ .

ثم كيف يحمل قول الترمذي  : حسن صحيح ، على أن بعض أسانيد الحديث حسنة والأخرى صحيحة ، وهو قد اشترط في الحسن الذي يورده في كتابه أن يكون له أكثر من سند ، فالحسن عنده مجموع روايات ، وكل رواية منها على حدة لا تستحق أن توصف بالحسن ناهيك عن الصحة ؟ .

 

وهناك جواب آخر ، نبه الشيخ طارق حفظه الله ، إلى أن البعض نظمه وأدخله في ألفية السيوطي  ، وقد جعله الشيخ أحمد شاكر  من أصل الألفية وهو :

أن الترمذي  يعني أن هذا الحديث حسن لذاته صحيح لغيره .

أو أنه حسن ، وفي نفس الوقت هو أصح ما في هذا الباب ، فأصح هنا بمعنى أقوى وأفضل ، ولا يفهم منها الصحة الإصطلاحية .

ويرد على الرأي الأول ، ما يرد على من قال بتعدد الأسانيد ، فكيف إن كان للحديث إسناد واحد فقط ؟ .

ويرد على الرأي الثاني ، بأن الترمذي  ، يشير إلى أصح ما في الباب صراحة ، بل وله اصطلاح خاص في هذه الحالة ، حيث يقول  : وهذا أصح ما في الباب ، فما الذي يلجئه لهذا الأسلوب الغامض في الإشارة إلى أصح ما في الباب ؟ .

 

وجدير بالذكر أن الشيخ طارق حفظه الله ، قد رد على القول القائل بأن الأبيات التي تذكر هذا القول هي من أصل الألفية بردين ، وهما :

أن السيوطي  لم يذكر هذا الجواب في التدريب عن أحد ، ولم ينسبه لنفسه .

أن الشيخ عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري  أجاب بهذا الجواب في تحفة الأحوذي شرح الترمذي ، ونسبه لنفسه ، ولو كان رأي السيوطي  ، لنسبه إليه .

ثم تطرق الشيخ طارق حفظه الله ، إلى رأي الحافظ ابن رجب  ، الذي ذكره في شرح علل الترمذي ، ووصفه الشيخ حفظه الله ، بأنه من أفضل الآراء ، لأن الحافظ ابن رجب  ، بنى جوابه على اصطلاح الترمذي  في الحسن ، وهو : (ألا يكون راويه متهما بالكذب وألا يكون شاذا وأن يرد من أكثر من وجه) ، فالحسن عند الترمذي  ، هو مجموع روايات ، كما سبق ذكر ذلك ، وليس رواية بعينها ، كما ذهب إلى ذلك من قال بأن معنى : حسن صحيح ، أنه ورد بإسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن ، بل إن تعريف الحسن عند الترمذي  ، هو الذي اعتمده ابن الصلاح  ، في تعريف الحسن لغيره ، الذي يشترط له أن يرد من أكثر من وجه . 

ومهد الشيخ طارق بن عوض الله حفظه الله إلى رأي الحافظ ابن رجب رحمه الله ببعض المقدمات ، من أبرزها :

أن مقتضى كلام ابن رجب  ، أن هذا الوصف يعبر عن معنى يمكن أن يجتمع مع الحكم بالصحة أو الحسن الإصطلاحيان بلا إشكال .

أن الحسن ليس حكما عند الترمذي  ، بل هو وصف لمعنى معين في سند الحديث أو متنه ، كما تقدم ذكر ذلك ، وعلى هذا يصح أن يقال عن حديث ضعيف من الناحية الإصطلاحية ، على سبيل المثال ، بأنه حسن ، وهذا ما أكد عليه الشيخ السعد حفظه الله ، عندما قال بأن الترمذي رحمه الله ، قد يطلق وصف (ولا نقول حكم) الحسن على الحديث الضعيف ، وذكر أمثلة على ذلك سبق ذكرها في موضعها ولله الحمد .

وقبل الشروع في ذكر رأي الحافظ ابن رجب رحمه الله ، لابد من التعليق على تعريف الترمذي رحمه الله للحديث الحسن ، وقد سبق ذكره ، وسبق أنه اشترط له 3 شروط ، وهي :

أولا : أن يكون الراوي ليس متهما بالكذب :

وهنا يبرز سؤال مهم ، هل يعني هذا الشرط ، أنه لابد أن يكون هذا الراوي ضعيفا ، ولكن ضعفه محتمل ، لا يصل إلى حد اتهامه بالكذب ، وهذا ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله ، أم أن هذا الوصف يشمل كل من لم يتهم بالكذب ، سواءا كان ثقة أو صدوقا أو ضعيفا ضعفا محتملا ، وهذا ما ذهب إليه الحافظ ابن رجب رحمه الله ، وبنى عليه تفسيره لقول الترمذي رحمه الله : حسن صحيح ، كما سيأتي إن شاء الله .

ثانيا : ألا يكون شاذا :

بمعنى ألا يكون مخالفا للحديث الصحيح ، كما قرر ذلك ابن تيمية وابن رجب ، وهذا يعني أن الحديث المخالف للصحيح المتقرر ، لا يستحق أن يكون حسنا عند الترمذي ، حتى لو كان راويه ثقة أو صدوقا ، لأنه يعد حينئذ من جملة أخطاء ذلك الراوي .

ثالثا : أن يروى من غير وجه :

ذهب الجمهور أنه لا يشترط أن يكون ذلك الوجه مرفوعا ، بل قد يكون موقوفا أو مقطوعا ، ولعل هذا يشبه إلى حد كبير ، تقوية الشافعي رحمه الله للمرسل بالموقوف ، أو بإجماع أهل العلم على العمل به ، ويظهر أيضا في كلام أحمد رحمه الله ، بينما قالت قلة قليلة ، بأنه لابد أن يكون مرفوعا ، وهذا ما عليه المتأخرون ، ولا شك أن ظاهر صنيع الترمذي في جامعه يؤيد الرأي الأول ، حتى أن الحافظ رحمه الله ، ذكر النكت أن الحديث الضعيف يتقوى بالإجماع ، ولكن يشترط ألا يكون ذلك الوجه المقوي شاذا ، كما سبق التنبيه إلى ذلك ، فلو كان شاذا ، كأن يكون جمهور الصحابة على خلافه ، فحينئذ لا يعتد به ، فالشاذ من القول لا يقوي الشاذ من الرواية ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

حديث أبي داود رحمه الله ، أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على ابنه إبراهيم رضي الله عنه ، فهذا الحديث أنكره أحمد رحمه الله انكارا شديدا ، بل وصل الأمر إلى أنه ضعف محمد بن إسحاق رحمه الله ، بسبب هذا الحديث ، وقد جاءت أحاديث أخرى ، تدل على أنه صلى الله عليه وسلم صلى على إبراهيم رضي الله عنه ، وعلى الطفل عموما ، وهي أحاديث مرسلة ، ورغم ذلك قدمها الخطابي رحمه الله في معالم السنن ، على حديث ابن إسحاق رحمه الله ، رغم أنه مسند ، وذكر ابن عبد البر رحمه الله ، في ترجمة إبراهيم رضي الله عنه في الإستيعاب ، أن الصلاة على الطفل أمر أجمع عليه جمهور الصحابة رضي الله عنهم ، ولم يخالف إلا سمرة بن جندب رضي الله عنه ، فقوله شاذ لا يصلح لتقوية حديث ابن إسحاق المسند الضعيف .          

حديث النهي عن الإعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ، فهو حديث ضعيف اختلف في رفعه ووقفه ، ووقع في بعض روايات الحديث عند سعيد بن منصور رحمه الله لفظ : لاإعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ، أو قال : مسجد جماعة ، هكذا على الشك ، وهذا مما يؤيد عدم الإحتجاج به ، وهناك قول لحذيفة رضي الله عنه وبعض التابعين يؤيد عدم الإعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ، ولكنه قول شاذ ضعيف لا يصلح لتقوية هذا الحديث الضعيف .

وينبه الشيخ طارق بن عوض الله حفظه الله ، في شرحه لألفية السيوطي رحمه الله ، أن قول الترمذي : حسن صحيح ، يعني به معنيين مختلفين ، وإلا لكان التكرار حشوا من القول ، والملاحظ أن الترمذي رحمه الله ، لم يشرح مصطلح الصحيح ، وهذا يعني أنه يوافق من سبقه ومن عاصره في تعريفه ، والسؤال : هل يمكن تنزيل الحسن عند الترمذي رحمه الله على تلك المواضع التي جمع فيها الترمذي بين وصفي الصحة والحسن ، لأن الأصل أن نفهم مصطلح الإمام من كلامه ، لا من إفتراضات نفترضها ، قد تكون صحيحة أو خاطئة .

والجواب أنه يمكن ذلك ، إذا نظرنا ، كما سبق إلى شرط الترمذي الأول في الحسن عنده ، حيث اشترط ألا يكون راويه متهما بالكذب ، وعليه يدخل في هذا الحد كما سبق ، الثقة والصدوق والضعيف ضعفا محتملا ، ولذا فإن إطلاق وصف حسن صحيح لا إشكال فيه ، لأن الحديث قد يرويه الثقة ، فيستحق وصف الصحة عند الترمذي رحمه الله وغيره ، فإذا أضيف إلى ذلك ، وروده من غير وجه ، وسلامته من الشذوذ ، فإنه يستحق وصف الحسن عند الترمذي فقط ، وهذه خلاصة كلام ابن رجب رحمه الله ، ويفهم من هذا أن الصحيح الفرد أو الغريب ، الذي لم يأت من غير وجه ، لايكون حسنا عند الترمذي ، وإنما يكون صحيحا فقط ، وأما على تعريف الحافظ رحمه الله ، فلا يصفو هذا الأمر ، لأنه قال بأن شرط الترمذي الأول ، يقتصر فقط على الضعيف ضعفا محتملا ، ولا يشمل راوي الصحيح أو الحسن لذاته .

وعلى هذا التعريف ، يكون : حسن صحيح ، أعلى من صحيح فقط ، لتعدد طرق الأول ، خلاف الثاني ، الذي لم يرد إلا من وجه واحد ، رغم اجتماع شروط الصحة فيه ، ومن تأمل صنيع الترمذي رحمه الله ، يجده يحكم على أحاديث في أعلى مراتب الصحة ، بقوله : حسن صحيح ، بل إن كثيرا منها مخرج في الصحيحين ، وإن كان الترمذي يخطيء أحيانا ، ولكن هذا راجع لخطأ إجتهاده ، لا لمخالفته لشرطه .  

 وينبه الشيخ طارق عوض الله حفظه الله ، إلى أن الشذوذ وصف للرواية ، وأما الضعف فهو وصف للراوي ، فقد يروي الثقة حديثا يخطيء فيه ، فيكون شاذا ، وقد يروي الضعيف ضعفا محتملا حديثا يصيب فيه ، فيكون صحيحا سالما من الشذوذ ، والترمذي رحمه الله يحسن هذا الضرب من الحديث ، إذا روي من غير وجه ، ولكن هل يصح إطلاق وصف الصحيح على هذا الحديث ؟ الجواب بالطبع لا ، لأنه لا يرتقي لمرتبة الصحة ، وظاهر صنيع الترمذي رحمه الله يؤيد هذا ، لأنه يطلق على هذا الضرب لفظ : حسن (فقط) ، وهذا مما يؤيد رأي الحافظ ابن رجب رحمه الله .

وينبه الشيخ طارق حفظه الله إلى أن وصف الترمذي رحمه الله للحديث بالحسن ، لا يزاحم وصف الصحة ، لأنه ، كما سبق لم يقصد به الحسن الإصطلاحي ، وإنما قصد معنى خاص في الرواية ، كما سبق ذكر ذلك ، فهو كقولك فلان طويل أبيض ، فلا تعارض بين هذين الوصفين ، خلاف قولك ، فلان طويل قصير ، فهذا غير جائز لتعارض الوصفين ، وكقولك هذا حديث صحيح موقوف ، فلا تعارض بين الصحة والوقف ، خلاف قولك هذا حديث صحيح ضعيف ، فهذا غير جائز لتعارض وصفي الصحة والضعف فيستحيل اجتماعهما ، وكقولك : هذا حديث حسن موضوع ، فلا إشكال إذا أردت بالحسن ، الحسن اللفظي ، وبالوضع ، الحكم على الحديث ، خلاف ما إذا قصد القائل بكلا اللفظين الحكم على الحديث من جهة الثبوت ، فهذا ممتنع ، فلا إشكال في إطلاق وصف : حسن صحيح ، على هذا الوجه ، وإنما الإشكال يقع إذا وصف الحديث بالصحة والحسن من جهة واحدة ، وهي الثبوت ، فهذا ممتنع .

 ويميل الشيخ طارق حفظه الله ، إلى أن الترمذي يقصد بالحسن ، معنى وجد في الحديث ، ألا وهو العمل به ، كما سبق ذكر ذلك ، من كلام الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة رحمه الله ، وقد وجد هذا المعنى في كلام بعض العلماء ، كأحمد رحمه الله ، الذي يقول أحيانا : ضعيف وعليه العمل ، بل إن الترمذي رحمه الله نص على ذلك في كتاب العلل في آخر جامعه ، فقال : وأحاديث هذا الكتاب كلها معمول بها .

وعليه فالصحيح ينقسم إلى قسمين : صحيح معمول به ، وصحيح غير معمول به ، وهو المنسوخ ، كحديث أبي رضي الله : كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ، ثم أمر بالغسل ، فهذا الحديث لا يكون حسنا عند الترمذي ، لأنه غير معمول به .

وينبه الشيخ طارق حفظه الله ، إلى مسألة مهمة جدا ، متعلقة بحديث : إنما الأعمال بالنيات … ، فهو حديث غريب غرابة مطلقة ، من جهة لفظه ، لأنه لم يصح إلا من طريق عمر رضي الله عنه ، وأما من جهة معناه ، فهو ليس غريبا ، بل يصل إلى حد التواتر المعنوي ، لكثرة شواهده .

مسألة : الراوي الضعيف ضعفا غير محتمل ، لايعتبر بحديثه ، وإن لم يكن متهما ، وعليه فهذا الضرب من الرواة ، لا يحسن حديثهم عند الترمذي أو غيره ، وقد أكد العلماء على ذلك ، لأن بعض أهل البدع ، قصروا عدم الإعتبار على المتهم فقط ، ولم يلتفتوا لضعف الحفظ ، وإن كان فاحشا .

وجدير بالذكر أن بعض العلماء قال بأن الترمذي يقصد بهذا المصطلح الحكم على الحديث بالصحة وأن زيادة لفظ حسن من باب التأكيد على صحة هذا الحديث .

ولا بد من أمثلة تبين المراد :

المثال الأول :

يقول الإمام البخاري : (( وحديث أنس في هذا الباب ـ أي في حد السكران ـ حسن  )) ، بينما قال فيه الإمام الترمذي : (( حديث أنس حسن صحيح )) . وحديث أنس هذا متفق على صحته ، فقد أخرجه البخاري ومسلم من طريق شعبة وهشام عن قتادة عن أنس (وهما أثبت الناس في قتادة بالإضافة إلى سعيد بن أبي عروبة) ، والرواة عن شعبة وهشام كلهم ثقات أجلاء ، بل هو أصح حديث عند مسلم إذ صدر به موضوع الباب ، فالحديث في أعلى درجات الصحة ، فوصف الحديث بالحسن والصحة معا ، إنما هو من قبيل التأكيد على صحة الحديث .

المثال الثاني :

ويقول الترمذي : سألت محمداً ، فقلت : أي الروايات في صلاة الخوف أصح ، فقال : كل الروايات عندي صحيح ، وكل يستعمل ، وحديث سهل بن أبي حثمة هو حديث حسن وحديث عبدالله بن شقيق عن أبي هريرة حسن وحديث عروة بن الزبير عن أبي هريرة حسن . فأطلق الإمام البخاري على الحديث الذي صح عنده صحيحاً كما أطلق عليه الحسن حين فصل تلك الروايات ، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه ، وهو حديث سهل بن أبي حثمة ، بل صححه الترمذي وقال : (( حسن صحيح )) وكذا عبدالله بن شقيق قال الترمذي فيه (( حسن صحيح غريب من عبد الله بن شقيق )) وعبدالله بن شقيق ثقة ، وأما حديث عروة عن أبي هريرة رواه النسائي .

ويقول د/ حمزة المليباري حفظه الله :

فإذا ثبت أن الحسن عند المتقدمين عام وشامل بحيث يطلق على الحديث الصحيح ، والحديث المقبول فإن إطلاقهم جمعاً بين لفظي الحسن والصحيح لم يكن إلا لإفادة التأكيد لمعنى القبول والاحتجاج ، وليس فيه ما يثير الإشكالية لا لغوياً ولا فنياً ، إلا على منهج المتأخرين الذي يقضي بانفصالهما كنوعين مستقلين لا يصح الجمع بينهما وهذا ما أيده د/ عادل عبد الغفور حفظه الله في تفسير مصطلح الترمذي  "حسن صحيح" . وهذا ما يؤكد ضرورة دراسة منهج المتقدمين دراسة دقيقة دون الاعتماد على اتحاد الألفاظ بين المتقدمين والمتأخرين ومن أهم الأمثلة على هذا الأمر ما ذكره د/ ماهر ياسين الفحل حفظه الله عن الدلالة المعنوية للفظ الصدوق عند المتقدمين والمتأخرين بقوله في بحثه فرائد الفوائد :

الدلالة المعنوية للصدق تختلف ما بين المتقدمين والمتأخرين ، فعلى حين كان ذا دلالة راجعة إلى العدالة فقط في مفهوم المتقدمين ، ولا تشمل الحفظ بحال من الأحوال ؛ لذا كان أبو حاتم الرازي كثيراً ما يقول : ضعيف الحديث ، أو : مضطرب الحديث ومحله عندي الصدق . فقد أصبح ذا دلالة تكاد تختص بالضبط عند المتأخرين ، ولذا جعلوا لفظة صدوق من بين ألفاظ التعديل .

 

ومن الجدير بالذكر أن الإمام الترمذي حين يحكي عن بعض النقاد تصحيحه كان يقول : "قال فلان هذا حديث حسن صحيح " أو "هذا أحسن وأصح" ، دون أن يلفظ ذلك الناقد بهذه الكلمة . ومن أهم الأمثلة على ذلك :

حكى الإمام الترمذي عن الإمامين : أحمد والبخاري تصحيحهما حديث المستحاضة الذي روته حمنة بنت جحش : بقوله : "حسن صحيح" . دون أن يرد هذا اللفظ عنهما (سنن الترمذي ، أبواب الطهارة ، باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد 1/226) . وأما لفظهما فكما ورد في علل الترمذي : " قال محمد (يعني البخاري) : حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن ، إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم ، لا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا ، وكان أحمد بن حنبل يقول : "هو حديث صحيح" . (العلل الكبير ص58 ، تحقيق السامرائي ، ط1 ، 1409هـ ، عالم الكتب ، وسنن البيهقي 1/339) . وفي أثناء المقارنة بين السياقين يبدو واضحاً أن ما تضمنه السياق الثاني هو لفظ البخاري وأحمد ، بخلاف ما ورد في السياق الأول ، فإنه ورد مختصراً ، اختصره الترمذي بأسلوبه المعروف في التعبير في التصحيح .

 

ومثال آخر : يحكي فيه الترمذي عن البخاري تصحيح حديث "البحر هو الطهور ماؤه" : بقوله : "حسن صحيح" . (شرح العلل 1/ 342) . وفي الوقت ذاته قال الترمذي : سألت محمداً عن حديث مالك عن صفوان بن سليم في حدث "البحر هو الطهور ماؤه" فقال : "هو حديث صحيح" (العلل الكبير للترمذي ص41 ، وكذا في التمهيد لابن عبد البر 16/218). وقال الحافظ ابن حجر في هذا الحديث : "صحح البخاري فيما حكاه عنه الترمذي في العلل المفرد حديثه ، وكذا صححه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد" (التهذيب 4/42) . وهذا كله يدل على توسعهم في إطلاق الألفاظ والمصطلحات ، وأن الترمذي يقصد بقوله حسن صحيح ما يقصده غيره بقوله : صحيح" لا غير . والله أعلم .

 

 

 

غريب : وهذا المصطلح يذكره الترمذي  في الحكم على الأحاديث الضعيفة وقد يطلق ألفاظا أخرى للحكم على الحديث بما يدل على ضعفه مثل قوله : (اسناده ليس بذاك القائم) . ومن الأمثلة التي استخدم فيها الترمذي  لفظ الغريب ، حديث الدعاء عند أذان المغرب : (اللهم هذا إقبال ليلك ، وإدبار نهارك ……الحديث) حيث أخرجه الترمذي  وغيره من طريق أبي كثير مولى أم سلمة عنها ، وقال الترمذي  : (حديث غريب ، وأبو كثير لا نعرفه) .

 

وختاما فإن جامع الترمذي  من مظنات الحسن ولكن ينبغي التنبه إلى أن نسخه تختلف في قوله "حسن صحيح" ونحوه فعلى طالب الحديث العناية باختيار النسخة المحققة والمقابلة على أصول معتمدة . ومن أمثلة هذا الاختلاف : حديث عمران بن حصين الضعيف الشاذ في تشهد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد سجدتي السهو فقد قال عنه الترمذي  : "حديث حسن غريب" وفي بعض النسخ زيادة : "صحيح" . (القول المبين في أخطاء المصلين ص146) . وفي نهاية الكلام على جامع الترمذي ، لابد من التنبيه على إيراد الترمذي  لبعض المنكرات والموضوعات وخاصة في الفضائل ، وهو ما أكد عليه الحافظ الذهبي  في ترجمة الترمذي في سير أعلام النبلاء ، فقال  : (في الجامع علم نافع وفوائد غزيرة ورؤوس مسائل وهو أحد رؤوس الإسلام لولا ما كدره بأحاديث واهية بعضها موضوع وكثير منها في الفضائل) ، وأكد  في موضع آخر على أن درجة الجامع تنحط عن درجة سنن النسائي وأبي داود  لأن الترمذي  خرج لبعض الهلكى كمحمد بن السائب الكلبي ومحمد بن سعيد المصلوب ، ورغم هذا يبقى جامع الترمذي رحمه الله من أجل كتب السنة ، وقد كان أبوالحسن المقدسي ينصح طلبة العلم بالبدء به قبل البخاري ومسلم لسهولته .

 

الثلاثيات في جامع الترمذي  :

في جامع الترمذي  حديث ثلاثي واحد ، وهو ما أخرجه من طريق اسماعيل بن موسى الفزاري عن عمر بن شاكر عن أنس رضي الله عنه مرفوعا : يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر ، وقد أشار الشيخ الحميد حفظه الله إلى أن هذا الحديث لا يصح ، وعلته عمر بن شاكر ، ونبه حفظه الله ، إلى نزول أسانيد الترمذي  ، وربما كان ذلك لتأخره في طلب العلم .

 

سنن ابن ماجة  :

وسنن ابن ماجة  هي رابع كتب السنن ، وأدناها من حيث المرتبة ، وقد نبه د/ حسين شواط في حجية السنة ، إلى أن المعتمد عند المتقدمين هو أن كتب الأصول خمسة : الصحيحان وسنن أبي داود  وسنن النسائي  وسنن الترمذي  ، ثم ألحق بها سنن ابن ماجة  لما فيه من الفقه وحسن الترتيب ، ولما فيه من الزوائد على الكتب الخمسة الأصول ، واستقر الأمر على ذلك في كتب الأطراف والرجال ، ومن أبرز من أيد هذا الرأي ، أبو الفضل محمد بن طاهر القيسراني في أطراف الكتب الستة وشروط الأئمة الستة ، وتبعه ابن عساكر  في زوائد السنن الأربعة وشيوخ أصحاب الكتب الستة ، والحافظ عبد الغني المقدسي  في الكمال في أسماء الرجال ، والحافظ المزي  ، ولكن كثيرا من العلماء  ، ومنهم رزين بن معاوية العبدري وابن الأثير قدموا موطأ مالك  على سنن ابن ماجة  واعتبروه سادس الأصول لأن أحاديثه المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات الصحة كما سيأتي إن شاء الله ، بينما رجح الحافظ ابن حجر والحافظ العلائي ومغلطاي سنن الدارمي  على سنن ابن ماجة  وذلك لقلة الرجال الضعفاء فيه ولندرة الأحاديث الشاذة والمنكرة فيه ، ويقول الشيخ الحميد حفظه الله في محاضراته عن مناهج الأئمة بأن صحيح ابن خزيمة  أولى بأن يقدم على سنن ابن ماجة  ، ولكن العلماء  اصطلحوا على جعله سادس كتب الأصول ، كما تقدم ، واستقر الإصطلاح بعد ذلك ، ولا مشاحاة في الإصطلاح . (حجية السنة ص195 بتصرف) . 

 

مسألة :

اشتهر القول بأن ما انفرد به ابن ماجة  ضعيف ، وممن نبه على هذا الأمر الحافظ المزي وابن القيم  نقلا عن أبي البركات بن تيمية  ، ولكن الحافظ  قال بأن الأمر ليس على إطلاقه ، وذلك من خلال استقرائه للكتاب ، وقال : وفي الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة والله المستعان ، ثم يقول الحافظ  : لكن حمله على الرجال أولى ، وأما حمله على أحاديث فلا يصح كما قدمت ذكره من وجوه الأحاديث الصحيحة والحسان مما انفرد به عن الخمسة اهـ ، وقال  في تهذيب التهذيب : كتابه ، (أي ابن ماجة ) ، في السنن جامع جيد كثير الأبواب والغرائب وفيه أحاديث ضعيفة جدا ، ومما يؤيد كلام الحافظ  ، أن زياداته على الكتب الخمسة تبلغ 1339 حديثا منها 428 حديثا صحيحا و 613 حديثا ضعيفا و 99 حديثا ما بين واهية الإسناد أو منكرة أو موضوعة ، وقد ذكر الدكتور عبد العزيز عزت في رسالته (الإمام ابن ماجة صاحب السنن) ، عدة أمثلة لأحاديث تفرد بها ابن ماجة  ، وهي مع ذلك صحيحة ، وذلك في معرض الرد على الحافظ المزي  ، الذي أطلق الضعف على كل ما تفرد به ابن ماجة  ، كما تقدم ، ومن هذه الأمثلة :

ما رواه ابن ماجة  ، في باب المنديل بعد الوضوء وبعد الغسل ، من طريق العباس بن الوليد وأحمد بن الأزهر قلا حدثنا مروان بن محمد ، حدثنا يزيد بن السمط ، حدثنا الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن سلمان الفارسي رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فقلب جبة صوف فمسح بها وجهه ، وقد علق الحافظ البوصيري  على هذا الحديث في زوائد ابن ماجة بقوله : إسناده صحيح ورواته ثقات ، وفي نفس الوقت ، لم تنقل لنا كتب الصحاح عدا ابن ماجة أي رواية عن يزيد بن السمط ، وإنما تفرد بالرواية عنه ابن ماجة  .

ما رواه ابن ماجة  ، في باب وقت صلاة الفجر ، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن نهيك بن بريم الأوزاعي عن مغيث بن سمي قال : صليت مع عبد الله بن الزبير رضي الله عنه الصبح بغلس فلما سلم أقبلت على ابن عمر رضي الله عنهما ، فقلت : ما هذه الصلاة ؟ قال : هذه صلاتنا كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه ، فلما طعن عمر رضي الله عنه أسفر بها عثمان رضي الله عنه ، ففي سلسلة اسناد هذا الحديث نهيك بن بريم الأوزاعي ولم يرو له أحد من رجال الصحاح إلا الإمام ابن ماجة  وقد علق البوصيري  على هذا الحديث بقوله : وإسناده صحيح ، فهذان حديثان تفرد بهما ابن ماجة  ، ومع ذلك حكم عليهما البوصيري  بالصحة .    

 

ومن أبرز الأحاديث الموضوعة في سنن ابن ماجة  حديث في فضل قزوين ، وممن نبه على هذا الحديث ابن الوزير اليماني  ، حيث قال في تنقيح الأنظار : وأما سنن ابن ماجة  فإنها دون هذين الجامعين والبحث عن أحاديثها لازم وفيها حديث موضوع في الفضائل . اهـ ، وعدد الصحيح وإن كان أقل من الضعيف إلا أنه عدد كبير يؤيد أن انفراد ابن ماجة  ، وإن كان مظنة الضعف ، إلا أنه ليس على إطلاقه . وممن علق على أحاديث ابن ماجة  الحافظان الذهبي والسيوطي  ، حيث قال الذهبي  في سير أعلام النبلاء في ترجمة ابن ماجة  : قد كان ابن ماجة  حافظا ناقدا صادقا واسع العلم ، وقد حط من منزلة كتابه ما فيه من المناكير وقليل من الموضوعات ، وقال السيوطي  : إنه تفرد بإخراج الحديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث ، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم ، فلم يتابعوا عليها .

ومما سبق يخلص لنا أن السبب الرئيسي لإدخال سنن ابن ماجة  في الأصول هو دقة ترتيبه وكثرة أبوابه وعدم تكرار الأحاديث فيه ، فهو يشبه صحيح مسلم  في عدم تكرار أحاديثه . (مصطلح الحديث ، طبعة مكتبة العلم ص42 بتصرف ، حجية السنة ص195 بتصرف) .

 

مسألة : روايات سنن ابن ماجة :

لسنن ابن ماجة  4 روايات ، كما ذكر ذلك الشيخ الحميد حفظه الله ، وهي رواية أبي الحسن علي بن إبراهيم بن القطان  ، وهي أشهر الروايات ، ولم يصلنا من روايات سنن ابن ماجة  إلا هذه الرواية ، ورواية سليمان بن يزيد  ، ورواية أبي جعفر محمد بن عيسى المطوعي  ، ورواية أبي بكر حامد الأبهري  .

 

مسألة : ثلاثيات ابن ماجة  :

وعددها 5 ، وكلها من طريق شيخه جبارة بن مغلس ، ولولا ضعف شيخه جبارة لارتفعت منزلة سننه بهذه الثلاثيات ، ولكنها كلها لا تصح لأنها جاءت من هذه الطريق الضعيفة ، وكلها جاءت بإسناد واحد من طريق جبارة بن مغلس عن كثير بن سليم عن أنس رضي الله عنه ، ويتفق الدكتور عبد العزيز عزت عبد الجليل في رسالته (الإمام ابن ماجة صاحب السنن) مع الشيخ الحميد حفظه الله في عدد هذه الثلاثيات ، وفي الحكم عليها بالضعف ، ولكنه نسب الضعف فيها إلى شيخ جبارة بن مغلس ، كثير بن سليم ، ونقل توثيق كثير من أهل العلم لجبارة بن مغلس  ، من أبرزهم عثمان بن أبي شيبة  ، واستدل لتوثيق جبارة  برواية بقي بن مخلد  ، صاحب المسند ، عن جبارة  ، وهو من شأنه ألا يروي إلا عن ثقة ، كما ذكر ذلك الحافظ  في ترجمة جبارة  في تهذيب التهذيب ، ومما يجدر التنبيه عليه في هذا الموضع ، علو اسناد ابن ماجة  ، وهذا ما أكد عليه الدكتور عبد العزيز عزت بقوله : في سنن ابن ماجة  رباعيات كثيرة ، أي أحاديث سلسلة رواتها أربع طبقات ، وهو بذلك يعتبر ذا أفضلية بين الصحاح الستة من هذه الزاوية ، فإن روايات الإمام البخاري الثلاثية كثيرة وهذه ميزة انفرد بها ، كما سبق بيانه ، ورباعيات ابن ماجة  كثيرة وهذه ميزة تشبهها .   

 

مسألة : زيادات أبي الحسن بن القطان  على سنن ابن ماجة  :

وإيراد أبي الحسن  لهذه الزيادات يماثل إيراد عبد الله بن أحمد  ، وأبي بكر القطيعي  لزوائدهما على مسند أحمد  ، وعدد زيادات أبي الحسن  44 زيادة ، منها زيادة موقوفة على الشافعي  من قوله ، في بيان العلة من رش بول الغلام الذي لم يأكل الطعام وغسل بول الجارية ، حيث قال  بأن الذكر خلق من طين ، بينما خلقت الأنثى من لحم ودم ، وزيادة لأبي الحسن  في تفسير لفظ غريب ، وباقي الزيادات وعددها 42 ، زادها أبو الحسن  لأنه تحصل عليها بسند عال .

 

مسألة : نقل الحافظ الذهبي  في تذكرة الحفاظ عن ابن ماجة  قوله : عرضت هذه السنن على أبي زرعة  فنظر فيه وقال : أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها ، ثم قال : لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما في إسناده ضعف ، وهذا الكلام بلا شك يخالف الواقع ، كما تقدم من أقوال العلماء عن الأحاديث الضعيفة والمنكرة والموضوعة في سنن ابن ماجة  ، وقد رد الحافظ السيوطي  في مقدمة زهر الربى على هذا القول بقوله : وأما ما حكاه ابن ماجة  عن أبي زرعة  _ أنه نظر فيه فقال : لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما فيه ضعف _ فهي حكاية لا تصح لإنقطاع سندها ، وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية ، أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءا منه فيه هذا القدر ، وقد حكم أبوزرعة  على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة أو ساقطة أو منكرة وذلك محكي في كتاب العلل لإبن أبي حاتم  . 

 

مسألة : إعتناء ابن ماجة  بتبيين الغرائب في كتابه :

وصنيع ابن ماجة  في هذا الموضع يشبه صنيع الترمذي  ، الذي حكم على أحاديث خرجها في جامعه ، بالغرابة والضعف ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

ما رواه ابن ماجة  ، في باب العفو عن القاتل ، من طريق أبي عمير عيسى بن محمد بن النحاس ، وعيسى بن يونس والحسين بن أبي السرى العسقلاني ، قالوا : حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب عن ثابت البناني  عن أنس رضي الله عنه قال : أتى رجل بقاتل وليه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اعف ، … الحديث ، فقد علق ابن ماجة  ، بقوله : هذا حديث الرمليين ليس إلا عندهم ، فهو ينبه على تفرد الرمليين بهذا الحديث ، وفي هذا إشعار بضعف الحديث ولا شك .

ما رواه ابن ماجة  ، في باب كل مسكر حرام ، من حديث يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن خريج بن أيوب بن هاني عن مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا : كل مسكر حرام ، فقد علق ابن ماجة  على هذا الحديث بقوله : هذا حديث المصريين ، في إشارة منه لتفرد المصريين بهذا الحديث ، بل إنه رواه من طريق علي بن ميمون الرقي عن خالد بن حيان عن سليمان بن عبد الله الزبرقان عن يعلى بن شداد بن أوس عن معاوية رضي الله عنه مرفوعا ، وأشار إلى غرابة هذا الطريق أيضا بقوله : هذا حديث الرقيين .

 

مسألة : رغم نزول سنن ابن ماجة  عن بقية الكتب الستة ، من حيث درجة الصحة ، إلا أنه وجد بالإستقراء ، أحاديث في سنن ابن ماجة  ، في أعلى درجات الصحة ، بل إنها تفوق بعض أحاديث صحيح البخاري  ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

ما رواه ابن ماجة  ، في باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ، من طريق أبي مروان محمد بن عثمان العثماني عن إبراهيم عن سعد عن أبيه عن حفص بن عاصم عن عبد الله ابن مالك بن بحينة رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل وقد أقيمت صلاة الصبح وهو يصلي فكلمه بشيء لا أدري ما هو ، فلما انصرف أحطنا به نقول : ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ، قال : قال لي : يوشك أحدكم أن يصلي الفجر أربعا ، فهذا الحديث مروي في صحيح البخاري  من طريق عبد الرحمن عن بهز بن أسد عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن حفص بن عاصم قال : سمعت رجلا من الأزد يقال له مالك بن بحينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الحديث ، وإسناد البخاري  ، كما يقول الدكتور عبد العزيز عزت ، فيه خطآن :

الخطأ الأول : أن بحينة ، اسم والدة عبد الله وليست والدة مالك .

الخطأ الثاني : أن هذه الرواية عن عبد الله بن مالك رضي الله عنه الصحابي المشهور ومالك ليس والده فإنه لم يتشرف بالإسلام ، ولا يعني هذا أن حديث البخاري غير صحيح ، ولكنه ليس في أعلى درجات الصحة .

 

ما رواه البخاري  ، في باب إحداد المرأة على زوجها ، من طريق الحميدي  عن سفيان عن أيوب بن موسى عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة رضي الله عنها قالت : لما جاء نعي أبي سفيان من الشام دعت أم حبيبة رضي الله عنها بصفرة في اليوم الثالث فمسحت عارضيها وذراعيها وقالت : إني كنت عن هذه لغنية لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ، فهذه الرواية وإن كانت صحيحة ولكن ما ذكر فيها من أنه لما وصل خبر موت أبي سفيان رضي الله عنه من الشام عند أم المؤمنين حبيبة رضي الله عنها ، هذا خطأ ، لأن أبا سفيان رضي الله عنه توفي في مكة المكرمة ، وليس الشام ، سنة 32 أو سنة 33 هـ ، ولهذا علق الحافظ  على هذا الحديث في الفتح بقوله : ولم أر في شيء من طرق الحديث تقيده بذلك إلا في رواية سفيان بن عيينة  هذه وأظنها وهما اهـ ، بينما سنن ابن ماجة  على عكس ذلك فليس في مروياتها ما هو قابل للإعتراض عليه على نحو ما ورد عند البخاري  .

 

ما رواه البخاري  ، في باب مناقب عثمان رضي الله عنه ، في سلسلة إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة رضي الله عنه : ثم دعا عليا فأمره أن يجلد فجلده ثمانين جلدة ، والثابت من الروايات أن الوليد رضي الله عنه جلد أربعين وليس ثمانين ، كما ذكر ذلك الحافظ  في الفتح ، ولم يذكر ابن ماجة  في روايته للحديث عدد الجلدات التي جلد بها الوليد رضي الله عنه وبذلك لم ترد على روايته ما ورد على رواية البخاري  .

 

مسألة : نموذج من شدة تحري ابن ماجة  :

في باب وقت صلاة المغرب ، روى ابن ماجة  من طريق عياد بن العوام عن عمر بن ابراهيم عن قتادة عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تزال أمتي على الفطرة …) الحديث ، وكتب بعده يقول : إنني سمعت هذا الحديث من محمد بن يحيى ، وكان أهل بغداد في قلق إزاء هذا الحديث ، ولهذا ذهبت ومعي محمد بن يحيى عند ابن عياد بن العوام فأخرج لنا أصل النسخة الموجودة عند والده فوجدنا فيها هذا الحديث ، وجدير بالذكر أن الأحنف بن قيس  لم يثبت له سماع من العباس رضي الله عنه ، كما ذكر ذلك البخاري  .

 

مسألة : قلة إعتناء العلماء بضبط سنن ابن ماجة :

وممن نبه على ذلك الحافظ المزي ، حيث قال في لفظة ابن ماجة في حديث سليك رضي الله عنه : (قبل أن تجيء) : هذا تصحيف من الرواة . إنما هو : "أصليت قبل أن تجلس" ، فغلط فيه الناسخ ، وقال رحمه الله أيضا : وكتاب ابن ماجة إنما تداولته الشيوخ ، لم يعتنوا به ، بخلاف صحيحي البخاري ومسلم ، فإن الحفاظ تداولوهما ، واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما ، ولذلك وقع فيه أغلاط وتصحيف . زاد المعاد (1/435) ، بواسطة القول المبين في أخطاء المصلين ص357 .    

 

مسند أحمد  :

بداية ، لابد من عرض منهج أصحاب المسانيد في تصنيفهم وهي أن يسرد المصنف أحاديث كل صحابي على حدة ، وأما ترتيب أسماء الصحابة رضي الله عنهم داخل المسانيد  ، فقد يكون على حروف المعجم ، أو بحسب السبق إلى الإسلام ، أو بحسب البلدان والقبائل ، ونحو ذلك ، وقد بدأ أحمد  بذكر أحاديث العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم ، ثم جاء بمسند 3 من الصحابة ، حاول العلماء معرفة سر تقديمه لهم وذكرهم بعد العشرة مباشرة ، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك ، وقد أشار إلى هذه النقطة ، الشيخ سعد الحميد حفظه الله ، في محاضراته عن طرق تخريج حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وأثار سؤالا مهما ، وهو : هل لأحمد رحمه الله ، شبهة ترتيب في كتابه ؟ وأجاب حفظه الله بقوله ، أنه بشكل عام ، لا يوجد لأحمد  في مسنده ترتيب واضح ، فلم يرتب الصحابة رضي الله عنهم على الحروف ، ولم يرتب الطرق عنهم ، كما فعل المزي  في تحفة الأشراف ، ومع ذلك فإن أحمد  ، راعى بعض الأمور ، ومن أبرزها :

الأفضلية : حيث بدأ كتابه بذكر الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم ، ثم بقية العشرة رضي الله عنهم ، ثم أورد أحاديث 3 من الصحابة ، منهم أسامة بن زيد رضي الله عنه ، كما سبق بيان ذلك قريبا ، ثم جاء بمسند بني هاشم رضي الله عنهم ، ثم جاء بمسانيد بعض مشاهير الصحابة مثل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .

البلدان : حيث أفرد رواة كل بلد بمسند خاص بهم ، فجاء بمسند للمكيين ، وآخر للمدنيين ، وثالث للكوفيين ، ورابع للبصريين ، وخامس للمصريين ، وسادس للشاميين ، وهكذا .

القبائل : حيث أفرد الأنصار رضي الله عنهم بمسند خاص بهم .

النوع : حيث بدأ بمسانيد رجال الصحابة رضي الله عنهم أولا ، ثم أتبعها بمسانيد نساء الصحابة رضي الله عنهن ، وأورد بعد مسانيدهن مسانيد بعض رجال الصحابة رضي الله عنهم ، كمسند أبي ذر رضي الله عنه ، ولكن عددها قليل .

ولكن العلماء  ، لم يرتضوا هذا الترتيب ، خاصة مع وجود ثغرات كبيرة فيه ، من أبرزها وجود بعض الأسانيد المقسمة ، فمسند الصحابي ، قد يرد جزء منه في موضع ، ويرد الجزء الآخر في موضع آخر ، وقد ترد أحاديث صحابي ، في مسند صحابي آخر ، كما سيأتي قريبا ، من كلام الشيخ أحمد شاكر  ، ولذا فإن الذهبي  ، قال بأنه كان يجدر بعبد الله بن أحمد  ، أن يصرف همه لترتيب المسند .    

    

 

وقد تفرد مسند أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد  بأنه أجمع الكتب ، وبأنه المصنف الوحيد الذي جمع بين طريقتي السنن والمسانيد في التصنيف ، وهذا ما أكد عليه ابن حزم  بقوله : مسند بقي  روى فيه عن 1300 صاحب ونيف ، ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه ، فهو مسند ومصنف ، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله ، مع ثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله في الحديث .

وأما بالنسبة لمسند أحمد  ، فهو من أجل كتب السنة ، وأحد المصادر الأساسية للحديث الشريف ، ويبلغ عدد أحاديثه بالمكرر نحو 40000 حديث وبحذف المكرر 30000 حديث ، وقد انتقى أحمد  أحاديثه من 750000 حديث ، وجاء هذا في رواية حنبل بن أحمد  حيث قال : جمعنا أبي أنا وصالح وعبد الله فقرأ علينا المسند وما سمعه غيرنا وقال : هذا الكتاب جمعته من أكثر من 750000 حديثا ، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه فإن وجدتموه فليس بحجة . وهذا يثير سؤالين في غاية الأهمية :

هل استوعب مسند أحمد  السنة بأكملها ؟ وهل أحاديثه كلها صحيحة ؟

ونبدأ إن شاء الله بإجابة السؤال الأول :

فبالرغم من كم الأحاديث الكبير في المسند حيث خرج فيه أحمد _كما سبق_40000 حديث لـ 904 من الصحابة رضي الله عنهم ، إلا أنه قد فاته أحاديث كثيرة ومن أبرزها ، حديث عائشة رضي الله عنها في قصة أم زرع ، فقد ذكر الحافظ العراقي  أنه في الصحيح وليس في المسند ، وقد نقل ابن الصلاح  القول بأن المسند لم يقع فيه رواية جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين ، ولكن الشيخ أحمد شاكر  يعترض على هذا القول في الباعث الحثيث ويصفه بالغلو الشديد ، ويقول  : بل نرى أن الذي فات المسند من الأحاديث شيء قليل ، وأكثر ما يفوته من حديث صحابي معين يكون مرويا عنده من حديث صحابي آخر . وقد أجاب الذهبي  عن قول حنبل  بقوله : (هذا القول منه على غالب الأمر ، وإلا فلنا أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والأجزاء ، ما هي في المسند) .

وإجابة السؤال الثاني :

اختلف العلماء  في هذه المسألة على ثلاثة أقوال :

أن جمبع ما في المسند صحيح وهو قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني والحافظ مغلطاي والسيوطي  ، وقال السيوطي  بأن الأحاديث الضعيفة ، في المسند ، تقترب من درجة الحسن ، وعلى هذا فهي لا تخرج عن دائرة القبول . 

 

فقد ذهب بعض العلماء  إلى أن في المسند أحاديث ضعيفة بل وموضوعة وقد زعم ابن الجوزي  أن في المسند 29 حديثا موضوعا (مع ملاحظة أن ابن الجوزي  متسرع في الحكم بالوضع ، لدرجة أنه حكم على حديث في صحيح مسلم  بالوضع) ، من أبرزها ، حديث دخول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الجنة حبوا ، لأن ماله حبسه ، فقد تكلم ابن الجوزي  على نكارة متن هذا الحديث ، (وهذه عادته  في كتابه الموضوعات ، كما سيأتي عند الكلام عنه) ، وقال بأن هذا المتن ، قد يفرح به الصوفية وجهلة المتعبدين ، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصبغ بالسواد ، وسيأتي الكلام عليه بالتفصيل ، وزاد عليها العراقي  9 أحاديث وجمعها في جزء ، وقال العراقي  في شرحه لكتاب ابن الصلاح   : وأما وجود الضعيف فيه (أي المسند) فهو محقق ، بل فيه أحاديث موضوعة ، وقد جمعتها في جزء ، وقد ضعف الإمام أحمد  نفسه أحاديث فيه وذكر  بعض الأمثلة لهذه الموضوعات كأحاديث فضائل مرو وعسقلان والبرث الأحمر عند حمص ، وجدير بالذكر أن ابن حجر  ألف رسالة في الرد على ما زعمه ابن الجوزي  من موضوعات في المسند وسماها (القول المسدد في الذب عن المسند) ، ولكن بعض الباحثين قال بأن في رد ابن حجر  تكلف ، وقد تكلم الشيخ سعد الحميد حفظه الله ، عن صنيع الحافظ  في القول المسدد ، بتفصيل جيد ، حيث قسم دفاع الحافظ  عن أحاديث المسند المتكلم فيها إلى 3 أقسام :

قسم يكون دفاع الحافظ  فيه ، في غاية الجودة ، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصبغ بالسواد ، ويأتي قريبا .

قسم يكون دفاع الحافظ  فيه ، محتملا ، كما في حديث دخول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الجنة حبوا ، فلو سلمنا بصحة دفاع الحافظ  عن هذا الحديث ، لكي يرفعه ، من مرتبة الموضوع ، رغم الخلاف في ذلك ، فهل يمكن إلحاقه بالمقبول ؟ . لأنه لا يكفي أن يخرج الحديث من دائرة الوضع ، حتى يحتج به ، كما هو معلوم .

قسم يكون دفاع الحافظ  فيه متكلفا ، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، في قصة هاروت وماروت ، فهذا الحديث من حيث ظاهر السند ، يمكن أن تختلف فيه وجهات النظر ، ولا يحكم عليه بالوضع قطعا ، ولكن هل يمكن أن يحكم عليه بالضعف ، فهذا هو محل الخلاف ، وقد أسهب ابن كثير  في الكلام عن هذا الحديث في البداية والنهاية ، وفي تفسيره ، وقال بأنه من الأحاديث المأخوذة عن بني إسرائيل ، فنسبة هذا الحديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم غلط ، وعليه فهو موضوع من هذه الجهة ، ولكنه من جهة وقفه على ابن عمر رضي الله عنهما ، حديث صحيح الإسناد ، رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن كعب الأحبار  ، وهذ ما يؤيد رأي شيخ الإسلام  الآتي .                    

وذهب شيخ الإسلام  في رسالة التوسل إلا أنه إن كان المقصود بالموضوع ما في سنده متهم بالكذب فليس في المسند شيء من ذلك ولإن كان المقصود به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقله لغلط راويه أو سوء حفظه ففي المسند والسنن من ذلك شيء كثير ، (وذلك كأن يغلط الراوي فيرفع الموقوف ، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما السابق) ، وأما بالنسبة لوجود الضعيف في المسند فإنه يرد عليه بعدة أجوبة منها :

أن المقصود بالضعيف هنا هو الضعيف الذي يقرب من الحسن (بل وربما كان هذا الضعيف عند أحمد هو الحسن عند غيره لأنه  كان يقسم الحديث إلى صحيح أو ضعيف) ، فضعفه ليس شديدا ، وهو الذي صرح أحمد  بأنه يقدمه على آراء الرجال إن لم يجد في الباب غيره ، ويظهر هذا بوضوح من صنيعه تجاه أحاديث سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حيث كان يرد حديث عمرو بن شعيب  إذا عارضه ما هو أقوى منه وقال لإبنه عبد الله  : ربما قبلت حديث عمرو بن شعيب وربما وجدت في القلب منه وفي رواية : وربما رددته ، وقد قال البخاري  : (رأيت أحمد وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب  عن أبيه عن جده ، ما تركه أحد من المسلمين)  ، فخرج  من عهدة هذا الضعيف بشرطه السابق وعليه فلا إشكال في إيراده هذا الضعيف ، بل وفي الإحتجاج به إن لم يجد غيره .

 

إننا إن سلمنا أن في المسند أحاديث ضعيفة جدا ، فقد ثبت أن أحمد  أوصى ابنه بأن يضرب على هذه الأحاديث ووافته المنية قبل هذا الأمر ، بل وربما أكمل الضرب عليها بالفعل ولكن الوراق وهم وكتب هذه الأحاديث من تحت الضرب وفي كلتا الحالتين خرج أحمد  من عهدة هذه الأحاديث .

 

أنه ينبغي أن نلاحظ زوائد ابنه عبد الله  وزوائد أبي بكر القطيعي  على المسند ، فربما جاءت هذه الموضوعات أو المنكرات من هذه الزوائد ، خاصة أن منها بعض مسموعات عبد الله عن غير أبيه كما نبه إلى ذلك د/ حسين شواط في حجية السنة ص201 ، وهنا يبرز سؤال مهم ، وهو كيف تعرف هذه الزوائد ؟ ، وللإجابة على هذا السؤال لابد من ملاحظة سياق الرواية ، فإن قال : حدثنا  عبد الله  قال : حدثنا أبي ، فهو من المسند ، وأما إذا قال حدثنا عبد الله قال : حدثنا وسمى شيخا غير أبيه فهو من زوائده ، وجدير بالذكر أن أغلب زيادات المسند هي من رواية عبد الله بن أحمد  ، وأما زيادات أبي بكر القطيعي  فهي طفيفة ، وينبغي أيضا ملاحظة وجادات عبد الله بن أحمد  ، وهي الأحاديث التي وجدها عبد الله  بخط أبيه ، وليست من أصل المسند الذي سمعه من أبيه . 

 

وقد جمع الشيخ ابن عثيمين  في رسالة مصطلح الحديث ص43 بين الأقوال الثلاثة بقوله : فمن قال : إن فيه الصحيح والضعيف لا ينافي القول بأن جميع ما فيه حجة لأن الضعيف إذا صار حسنا لغيره يكون حجة ، ومن قال بأن فيه الموضوع فيحمل قوله على ما في زيادات عبد الله وأبي بكر القطيعي  .

 

أنواع الأحاديث في مسند أحمد  :

رغم أن أحمد  لم يشترط الصحة في كل ما يورده في مسنده إلا أن فيه كثيرا من الأحاديث الصحيحة على شرط الشيخين ، وفيه أحاديث صحيحة دون درجة أحاديث الصحيحين ، وفيه أحاديث حسنة ، وفيه أحاديث ضعيفة لم يشتد ضعفها ، وفيه عدد قليل جدا من الأحاديث الضعيفة جدا كما سبق بيان ذلك .

 

شرط أحمد  في مسنده :

شرط أحمد  في المسند أن لا يروي عن المعروفين بالكذب عنده ، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف . نقله الشيخ ابن عثيمين  عن شيخ الإسلام في ذكرة مصطلح الحديث ص43 .

 

بعض الملاحظات على مسند أحمد  :   

أنه  أنكر أحاديث رغم أنها في المسند ومن الأمثلة على ذلك كما ذكر شيخنا عبد الرحمن الفقيه حفظه الله :

حديث (( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان )) فقد خرجه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا قال أحمد : هو حديث منكر ، ودراج له مناكير ، وهذا الحديث في مسند أحمد (3/68) ، ابن رجب  في فتح الباري (1/132) .

حديث (( لايصلى في شعرنا)) وقد أنكره الإمام أحمد إنكارا شديدا وهذا الحديث في المسند(6/101) ، ابن رجب في (2/87) .  

حديث ابن عمر مرفوعا (( من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم تقبل له صلاة ما دام عليه)) ، وقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي طالب وقال هذا ليس بشيء ليس له إسناد (أي ليس له إسناد تقوم به الحجة) ، وهذا الحديث في المسند (2/98) ، قاله ابن رجب في الفتح (2/433) .

 

أن أحمد  يذكر أحادبث كثيرة في غير مسند الصحابي الذي رواها ، وبعضها يكون مرويا عن اثنين أو أكثر من الصحابة ، فتارة يذكر الحديث في مسند كل واحد منهما ، وتارة يذكره في مسند أحدهما دون الآخر ، ويقول الشيخ أحمد شاكر  بأنه وجد في المسند أحاديث لبعض الصحابة ذكرها أثناء مسند لغير راويها ، ولم يذكرها في مسند راويها أصلا (الباعث الحثيث ص266) ، وعليه فإنه يلزم الناظر أن يستقرأ المسند بأكمله إذا أراد عد أحاديث كل صحابي .

مسألة : ثلاثيات أحمد  :

مسند أحمد  من الكتب التي امتازت بالإكثار من ايراد الثلاثيات ، وقد قال الشيخ السعد حفظه الله بأنها تصل إلى نحو 300 حديث ، وقد جمعها وشرحها السفاريني في مصنف مستقل .

مسألة : هناك أحاديث من أصل المسند ، أمر أحمد  بإبعادها من المسند ، رغم صحتها ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ، حديث : يهلك أمتي هذا الحي من قريش ، قالوا : فما تأمرنا يارسول الله ، قال : لو أن الناس اعتزلوهم ، فقد أمر أحمد  بإبعاده ، رغم صحته ، لأنه خشي أن يتأوله البعض بما يوافق مذهب الخوارج والمعتزلة من الخروج على أئمة الجور .

 

مسألة : قول أحمد  : هذا الحديث ليس له إسناد :

ذكر الشيخ عبد الرحمن الفقيه حفظه الله أن الحافظ ابن رجب  تكلم عن هذه المسألة في فتح الباري بشرح البخاري ، حيث قال  : وقد قال أحمد : ليس له إسناد - يعني أن في أسانيده ضعفا . انتهى ، ثم أورد الشيخ عبد الرحمن حفظه الله ، بعض النقولات التي تؤيد هذا الرأي ومنها :

ما نقله من نصب الراية ج: 2 ص: 325 ، ونصه : الطريق الثاني أخرجه احمد رضي الله عنه في مسنده عن بقية عن عثمان بن زفر عن هاشم عن بن عمر نحوه سواء قال ابن الجوزي  في التحقيق : وهاشم مجهول إلا أن يكون بن زيد الدمشقي فذاك يروى عن نافع وقد ضعفه أبو حاتم وذكر الخلال قال : قال أبو طالب سألت أبا عبد الله عن هذا الحديث فقال ليس بشيء ((ليس له إسناد)) انتهى .

 

ما نقله من المغني لابن قدامة ج: 7 ص : 139 ونصه :
وأما حديث ذي الرقعتين فقال أحمد ليس له إسناد يعني أن ابن سيرين لم يذكر إسناده إلى عمر  .

 

ما نقله من المغني ج: 8 ص: 218 ونصه :
وحديثهم ليس له إسناد قاله أحمد وقال الدارقطني يرويه ابن البيلماني وهو ضعيف إذا أسند فكيف إذا أرسل .  

 

مسألة : قول أحمد  : هذا الحديث منكر :

والمشهور من اقوال أهل العلم أن هذا اللفظ إذا أطلقه أحمد أو النسائي  ، فإنه لا يستفاد منه التضعيف ، ولكن يستفاد منه مطلق التفرد ، سواءا كان الحديث مقبولا أو مردودا ، ولكن الشيخ طارق عوض الله حفظه الله يعترض على هذا الرأي ويقول بأنه ليس صحيحا أنه يقول بالنكارة و يقصد بها التفرد ، فهذا فيه من التكلف ما فيه علاوة على أن أحمد بن حنبل يكثر من استخدام هذا اللفظ ، فلو حملناه على حكاية التفرد و ليس الحكم على الحديث لضاع الكثير من أحكام هذا الإمام الجليل على الأحاديث ، وأنقل هنا ، كلاما لأخي يحيى القطان حفظه الله ، أحد أعضاء منتدى أهل الحديث ، من مشاركة قيمة له تتعلق بهذه المسألة ، حيث نقل قول أحمد رحمه الله : ((الحديث عن الضعفاء قد يُحْتاج إليه في وقتٍ، والمنكر أبدًا منكر)) ، [علل المروذي وغيره (رقم/287)، ومسائل ابن هانئ (1925 ـ 1926) ونقله ابن رجب في شرح العلل (1/385) عن ابن هانئ] ، وهذا نص من أحمد ، في محل النزاع ، ولو فرضنا جدلاً أن المنكر يطلق عند أحمد على الفرد الذي لا متابع له : لكفانا قول مسلم في مقدمة صحيحه عن المنكر وحده ، فهو كافٍ شافٍ في بيان الخلل في التفرد، والشك والريب المحيط بالحديث الفرد ، فكلام مسلم رحمه الله ، يدل على أن الحديث الفرد مظنة الوهم والخطأ ، فهو على كل حال ليس مقبولاً بإطلاق كما جرى عليه البعض ، فكيف وقد انضم إلى ذلك تصريح أحمد رحمه الله ، الذي يزيل كل إشكال ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :

عبد الرحمن بن أبي الموال الذي روى حديث الاستخارة ، حيث قال الإمام أحمد رحمه الله: ((عبد الرحمن لا بأس به)) هذا حال الرجل عند الإمام أحمد رحمه الله ، لكن ماذا عن حديث الاستخارة الذي يرويه عبد الرحمن ، قال أحمد : ((يروي حديثًا لابن المنكدر، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستخارة، ليس يرويه أحدٌ غيره، هو منكر)) فسأله أبو طالب: هو منكر؟ قال: ((نعم؛ ليس يرويه غيره ، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديثٌ غلط يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما)) ، (أي أنهم يسلكون الجادة ، وهذا أحد علامات الغلط) ، [الكامل لابن عدي (4/307، ترجمة ابن أبي الموال].
فهذا صريح في مرادفة المنكر للخطأ عند الإمام أحمد رحمه الله فهو مردود إذن ، وليست القضية عند الإمام أحمد في تفرد الراوي أو حاله ، فقد اعترف سلفًا بأنه لا بأس به ، فلم يعد ملتبسًا بعد ذلك.    

 

ما نقله المزي رحمه الله في التهذيب (23/220، ترجمة الفضل بن دلهم) عن أبي بكر الأثرم قال: ((سألتُ أبا عبد الله عن الفضل بن دلهم؟ فقال: ليس به بأس إلا أن له أحاديث)).
وقال الأثرم: ((سمعت أبا عبد الله ذكر حديث الفضلَ بن دلهم عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عن النبي صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا).
فقال: هذا حديث منكر . يعني: خطأ.
قال أبو بكر الأثرم: وقد رواه قتادة ومنصور بن زاذان فقالا: عن الحسن عن حطان عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم)) أهـ
فانظر إلى قوله: ((حديث منكر. يعني: خطأ)) والمعنى ظاهر أيًا ما كان التفسير من الإمام أو الأثرم في قوله: ((يعني)).
والرواية التي ذكرها الأثرم عن عبادة ذكرها البخاري رحمه الله في كلامه على الروايات وقال: ((وهذا أصح)) [التاريخ الكبير 7/116 ـ ترجمة الفضل].
فظهر المراد من المنكر هنا أيضًا، فليس مقصودًا به التفرد كما ترى، والفضل عند الإمام أحمد : لا بأس به، وحديثه المنكر هنا يعني الخطأ.

أبرز الخدمات لمسند أحمد  :

قام ابن المحب  بترتيب المسند على الأبواب الفقهية .

قام  ابن عروة الحنبلي  ، بشرحه شرحا مسهبا ، أسماه الكواكب الدراري .

صنف ابن كثير  بتصنيف جامع المسانيد ، حيث جعل مسند أحمد أصلا ، ثم أورد الزوائد عليه من المسانيد الأخرى ، ورتب مسانيد الصحابة فيه على حروف المعجم ، ولم يكمله  .

صنف الهيثمي  ، مجمع الزوائد ، حيث جمع فيه زوائد ستة كتب ، هي : مسند أحمد وأبي يعلى والبزار ومعاجم الطبراني الثلاثة ، على الكتب الستة ، ورتب  زوائده على الأبواب الفقهية ، وقد أشار الشيخ أحمد شاكر  ، إلى أن المتتبع له يجد أن الصحيح من أحاديث المجمع يزيد على النصف ، وأكثرها من مسند أحمد  ، وقام الهيثمي  بإفراد زوائد أحمد  على الكتب الستة بمصنف مستقل .

الفتح الرباني للساعاتي  ، وقد رتبه على أبواب الفقه ترتيبا جيدا ، وهو لا يورد الحديث بسنده ، وإنما يذكر السند في الحاشية ، وربما علق عليه ، وخاصة أنه ينقل كلام الهيثمي  ، إن كان الحديث في الزوائد ، ويشرح أحيانا غريب الحديث ، ويتكلم عليه بكلام طفيف .

فهارس مسند أحمد  :

وضع ابن عساكر  فهرسا للصحابة الذين خرج أحمد  أحاديثهم في المسند ، وقد أفاد هذا الفهرس في معرفة أن بعض الصحابة قد سقطت مسانيدهم من المسند المتداول في هذه الأيام ، بل إن هناك أحاديث سقطت من مسند بعض الصحابة ، مثل جابر رضي الله عنه ، حيث أبرزت رسالة علمية معاصرة ، كما يقول الشيخ الحميد حفظه الله ، سقوط 12 حديثا من مسنده .

قام البسيوني زغلول ، كما رجح الشيخ الحميد حفظه الله ، بترتيب أحاديث المسند على حروف المعجم ، في مصنف من مجلد واحد .

فهرس مرشد المحتار للشيخ حمدي السلفي حفظه الله ، ويتميز عن فهرس البسيوني زغلول ، بأنه يربط طالب الحديث ، بجميع ألفاظه ، لأنه يوضح المواضع التي ورد فيها هذا الحديث بغير هذا اللفظ ، أو يحيل عليها .

أطراف المسند لإبن حجر  ، حيث رتب فيه الأحاديث على الأطراف ، كما فعل المزي  في تحفة الأشراف .

   

 

 

وأما الموطأت فمن أبرز الموطأت التي تندرج تحت هذا القسم موطأ مالك  ، وجدير بالذكر أن أحاديث الموطأ تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

المتصل : وكل المرفوع المتصل عند مالك  صحيح ، بل هو في الصحة كأحاديث الصحيحين ، كما ذكر ذلك السيوطي  في شرح الموطأ .

المرسل : حيث أن مالك  يحتج بالمرسل ، وقد رجح بعض العلماء مراسيله على مراسيل التابعين ، رغم أنه من طبقة تابعي التابعين ، لأنه كان شديد التحري في الرجال ، وهو من أعلم الناس برواة المدينة .

البلاغات : حيث أن مالك  من طبقة تابعي التابعين ، كما تقدم ، وعلى ذلك فقد يقول  : بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد يكون بلاغه إلى صحابي ، وهذا يعني أنه أسقط من السند رجلين أو أكثر وهذا يمنع الحكم بإتصال الحديث ، ومن الأمثلة على ذلك :

ما رواه الحاكم رحمه الله في معرفة علوم الحديث ، بسنده إلى القعنبي عن مالك أنه بلغه أن أبا هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ، قال الحاكم رحمه الله : هذا معضل عن مالك ، أعضله هكذا في الموطأ ، لأنه أسقط منه رجلين ، محمد بن عجلان وأباه ، وعرف ذلك من رواية الحديث خارج الموطأ . 

وجدير بالذكر أن المقطوعات والمراسيل والبلاغات في موطأ مالك  كلها مسندة من طرق أخرى ، حيث قام بوصلها الحافظ ابن عبد البر  في كتابه (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) ، عدا أربعة أحاديث لم يجد لها سندا ، فوصلها الحافظ ابن الصلاح  في رسالة سماها : (وصل البلاغات الأربعة في الموطأ) . (حجية السنة ص199) .

مسألة : علو الإسناد عند مالك  :

الإمام مالك  من طبقة أتباع التابعين ، وعليه فإن سنده بلا شك أعلى من سند أصحاب الكتب الستة لأنه متقدم عليهم بطبقتين ، فلم يلقه أي منهم ، وإنما روى عنه بعضهم بواسطة واحدة ، حيث أخرج له البخاري  من طريق عبد الله بن يوسف التنيسي  وطريق إسماعيل بن أبي أويس  ، وروى له مسلم  من طريق يحيى بن يحيى الليثي (والصحيح ، والله أعلم ، أنه يحيى بن يحيى النيسابوري)  ، وأعلى الأسانيد عند مالك  هي الأسانيد الثنائية ، كروايته عن نافع  عن ابن عمر رضي الله عنهما .

 

مسألة : روايات الموطأ :

للموطأ روايات عديدة ، لأن مالكا رحمه الله كان يجيب من أراد قراءة موطأه عليه من الطلاب ولكن أشهرها ، رواية يحيى بن يحيى الليثي ، وهي المشهورة عند المغاربة والمشارقة ، وينبغي التنبيه إلى التفاوت في عدد أحاديث كل رواية ، لأن مالكا كان دائم النظر في موطأه ، فيخرج منه أحاديث ويدخل أخرى ، حتى أن رواية محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله ، على الثلث تقريبا من رواية يحيى بن يحيى الليثي .

 

المستخرجات :

وقد عرفها الحافظ العراقي  بقوله : موضوع المستخرجات أن يأتي المصنف إلى الكتاب فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه ، من غير طريق صاحب الكتاب ، فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه ، وأضاف الحافظ ابن حجر شرطا آخر وهو أن لا يصل إلى شيخ أبعد ، حتى يفقد سندا يوصله إلى الأقرب ، إلا لعذر ، من علو أو زيادة مهمة ، وذكر  في موضع آخر أن المستخرج ربما أسقط أحاديث لم يجد له بها سندا يرتضيه ، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب ، ومن أهم الأمثلة على المستخرجات : المستخرج لأبي بكر الإسماعيلي  على البخاري  والمستخرج لأبي عوانة الإسفراييني  على مسلم  والمستخرج لأبي نعيم الأصبهاني  على كل منهما . 

ومن أهم فوائد المستخرجات :

الزيادات المهمة في الأسانيد والمتون .

العلو في السند .

تقوية الحديث ، لأن هذه الطرق التي يذكرها المستخرج تعمل عمل المتابعات للحديث الأصلي كما أكد على ذلك ابن الصلاح  .

تقوية الحديث المعنعن لأنه قد يوجد في سند الحديث مدلس ، وقد روى بالعنعنة ، وهذا يمنع الحكم بصحة الحديث حتى يأتي ما يعضده ، (بإستثناء أحاديث الصحيحين فرواية المدلس فيها بالعنعنة مقبولة) ، فيأتي المستخرج برواية فيها تصريح بالسماع ، فيزول الإشكال .

تقوية رواية المختلط لأنه قد يوجد في سند الحديث مختلط ، وقد روى الحديث ولا ندري هل رواه قبل اختلاطه أم بعده ، وهذا يمنع الحكم بصحة الحديث حتى يأتي ما يعضده ، (بإستثناء أحاديث الصحيحين فرواية المختلط فيه مقبولة ، لأنها محمولة على روايته قبل اختلاطه) ، فيأتي المستخرج برواية الشيخ قبل اختلاطه ، فيزول الإشكال .

معرفة عين المبهم ، لأنه قد يرد التصريح بإسمه في المستخرجات ، وكثيرا ما يلجأ الحافظ  إلى المستخرجات لمعرفة أعيان المبهمين . 

ومما يجدر التنبيه إليه في المستخرجات :

أن المستخرجين لم يلتزموا موافقة الصحيحين في الألفاظ ، لأنهم إنما يروون الألفاظ التي وصلتهم من طريق شيوخهم ، لذلك فقد حصل فيها تفاوت قليل في بعض الألفاظ . وبناءا عليه فلا يجوز لشخص أن ينقل من المستخرجات حديثا ويقول رواه البخاري أو مسلم إلا في حالتين :

أن يقابل الحديث بروايتهما ، فإن اتحدا جاز له ذلك .

أو يقول صاحب المستخرج "أخرجاه بلفظه" ، وعليه فلا إشكال لأن المستخرج قد تكفل لنا بتطابق اللفظين .

هل المستخرجات كلها صحيحة ؟

الغالب عليها الصحة ، (وليست كلها صحيحة رغم أن أصولها صحيحة ) ، لأن زياداتها قد تأتي من طرق ضعيفة لأن جل هم المستخرج هو العلو بالسند ، ولذا فإننا نجد أصحاب المستخرجات يخرجون أحيانا للضعفاء والمتهمين ، فعلى سبيل المثال : خرج الإسماعيلي  لإبراهيم بن الفضل المخزومي وهو ضعيف وخرج أبو نعيم  لمحمد بن الحسن بن زبالة وقد قال فيه الحافظ  : كذبوه .

وجدير بالذكر أن طريقة المتقدمين في التصنيف كانت الإستخراج على أحاديث شيوخهم ، وهذا ما فسر به الشيخ سعد الحميد حفظه الله عدم إخراج مسلم  لأي حديث في صحيحه من طريق شيخه البخاري  وذكر أن هذا هو تعليل الدارقطني  لصنيع مسلم  . 

وقد مال الشيخ السعد حفظه الله إلى جعل المستخرجات من القسم الأول .

 

القسم الثالث : الكتب التي يكثر فيها الضعيف مع وجود الصحيح :

ومن أهم الأمثلة على هذا القسم :

مسند البزار  :

وقد سبق الحديث عن طريقة المصنف في المسانيد ، ومن أهم سمات مسند الحافظ أبي بكر البزار  :

 

أنه يعتبر مصدرا مهما للأحاديث الغريبة  ، وإن كان البزار  لا يحكم على الحديث بالغرابة مطلقا وإنما يقول  : (لا أعرفه إلا من طريق فلان عن فلان) ، فكأنه ينبه على أن هذا الحديث غريب عنده ، ولكن هذا لايعني الحكم المطلق عليه بالغرابة ، فقد يكون للحديث إسناد آخر لم يطلع عليه .

 

أنه يعتبر من كتب العلل ، ففيه من التعاليل ما لا يوجد في غيره من المسانيد كما نبه إلى ذلك ابن الصلاح والخطيب البغدادي  .

 

وأما بالنسبة للبزار  ، فقد وثقه أئمة الحديث  ، ولكن الدارقطني  تكلم في حفظه ، فقال  : ثقة يخطيء ويتكل على حفظه ، وقال : يخطيء في الإسناد والمتن ، حدث بالمسند بمصر حفظا ينظر في كتب الناس ويحدث من حفظه ، ولم تكن معه كتب فأخطأ في أحاديث كثيرة ، فالدارقطني  قيد كلامه في عبارته الثانية بحديث البزار في مصر فقط ، وهذا الأمر ليس مقصورا على البزار  فقط ، فقد سبقه إليه جمع من المحدثين الثقات ، ومن أشهرهم معمر بن راشد  لما حدث بالبصرة ولم تكن معه كتبه ، وجرير بن حازم  لما نزل مصر ، ولم يحط هذا من شأنهم ، رغم رد ما وهموا فيه .  

منزلة البزار رحمه الله بين أئمة الجرح والتعديل :

للبزار رحمه الله منهج في توثيق الرواة ، ذكره السخاوي -رحمه الله تعالى- في "فتح المغيث" (ج2 ص12) حيث قال بأن : البزار في "مسنده" وابن القطان في "الوهم والإيهام" ذهبا أن العدالة تثبت برواية جماعة من المشاهير عن الراوي

وقد علق الشيخ مقبل رحمه الله على هذا بقوله : إذا رأينا حديثًا في كتابيهما أو في كتبهما من طريق راو روى عنه جماعة ، لم يوثقه معتبر ، وليس مشهورًا بالطلب ، أو رأيناهما صححا هذا الحديث فيتوقف فيه ، ثم إنه قد علم تساهل البزار في التوثيق وكذا في التصحيح .

 

معاجم الطبراني  الثلاثة  :

وبداية لابد من توضيح الفارق بين المعاجم والمسانيد ، حيث أن الناظر فيهما ، قد لا يتضح له الفارق بينهما للوهلة الأولى ، وممن نبه على ذلك الشيخ سعد الحميد حفظه الله فقال بأن المقصود من المسانيد ، هو سرد أحاديث كل صحابي على حدة سردا كاملا ما أمكن ذلك دون ذكر ترجمة لهذا الصحابي ، وأما المعاجم فإنها تعنى بذكر ترجمة الصحابي أولا ، ثم إيراد بعض أو كل أحاديث هذا الصحابي ، وعلى هذا يمكن اعتبار كتب المعاجم قسما من كتب التراجم والرجال ، ويغلب أن ترتب على حروف المعجم ، بالنسبة للصحابة رضي الله عنهم ، أو بالنسبة لشيوخ المصنف .

ويحسن بنا أن نقدم نبذة مختصرة عن معاجم الطبراني  ، فهي أشهر المعاجم على الإطلاق :

 

المعجم الكبير :

وهو مرتب على مسانيد الصحابة بحسب حروف المعجم ، عدا مسند أبي هريرة فإنه أفرده في مصنف مستقل لكثرة أحاديثه ، وهو أكبر معاجم الدنيا ، ويقال بأن فيه ستين ألف حديث ، وقيل ثمانين ألفا ، ولكننا ، كما يقول الشيخ السعد حفظه الله ، لا نستطيع أن نحدد عدد أحاديثه بالضبط ، لأن هناك جزءا مفقودا منه .

ورغم ذلك فإن عدد المرفوعات عند أحمد  أكبر من عددها عند الطبراني  ، فالمسند ، هو أكبر كتاب في المرفوعات ، وأما إذا ضم إلى هذه المرفوعات ، الآثار عن الصحابة وما قيل في أوصافهم ووفياتهم وما إلى ذلك ، فإن عدد أحاديث معجم الطبراني الكبير أكبر .

المعجم الأوسط :

وهو مرتب على أسماء شيوخ الطبراني  ، وهم حوالي ألفين ، ويقال بأن فيه ثلاثين ألف حديث ، وهو من مظان الغريب ، وقد أثر عن الطبراني  أنه قال : هذا الكتاب روحي (أي المعجم الأوسط) .

المعجم الصغير :

وقد خرج فيه عن ألف من شيوخه ، مقتصرا غالبا على حديث واحد لكل منهم . حجية السنة ص203و 204 .

 

ومن أبرز معالم منهج الطبراني  :

أنه قسم الصحابة إلى قسمين :

قسم له رواية .

قسم ليس له رواية ، فهو معجم صحابة ، كما تقدم ذكر ذلك .

فما كان فيه من صحابة ليس لهم رواية ، فإن الطبراني  يعرف بهم من خلال كتب السير والمغازي .

وأما من لهم رواية ، فهم إما :

مكثرون من الرواية : وهؤلاء لا يخرج لهم إلا النزر اليسير وربما لا يخرج لهم أصلا ، لأنه أفردهم بمسانيد خاصة كأبي هريرة رضي الله عنه ، ومن أبرز الأمثلة على عدم استيعابه لأحاديث المكثرين ، أنه لم يخرج لأنس رضي الله عنه إلا نحو 40 حديثا فقط ، وقد يسهب أحيانا في ذكر أحاديث المكثرين كعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم ، ولكن الأصل في معجمه ، عدم الإسهاب في ذكر رواية المكثرين , وجدير بالذكر أن الطبراني  ، يورد الأحاديث دون ترتيب ، إلا في الصحابة المكثرين ممن لهم تلاميذ كثر ، وهؤلاء التلاميذ بدورهم مكثرون ، فإنه يرتب أحاديث الصحابي تبعا لمن رووا عنه ، فيرتب أحاديث ابن عباس رضي الله عنهما ، على سبيل المثال ، طبقا للرواة عنه ، كعكرمة وسعيد بن جبير  .

مقلون من الرواية : وهؤلاء يحرص كل الحرص على استيفاء مروياتهم .

 

يبدأ بتعريف الصحابي وذكر اسمه كاملا ، وكنيته ، وأوصافه ، وهل يخضب أم لا ، وما إلى ذلك ، ثم يذكر فضائله ، إن ورد فيها أحاديث ، ويذكر مغازيه ، ثم يورد أحاديثه ، وما سبق ذكره من الصفات ، يورده الطبراني  مسندا ، فكل قول يرويه في ترجمة أحد الصحابة مسندا إلى قائله ، هو حديث ، ولو كان لراو متأخر ، كقول يونس بن بكير  : توفي معاذ رضي الله عنه سنة 18 هـ .

     

 

بدأ بذكر أحاديث الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم  ، ومن ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم ، فلم يلتزم الترتيب الأبجدي في ذكر العشرة رضي الله عنهم ، ومن ثم أتبعهم بذكر أحاديث بقية الصحابة مبتدئا بأحاديث من عرفت أسماؤهم من رجال الصحابة رضي الله عنهم ، ثم أحاديث من عرفت كناهم ، ثم أحاديث المبهمين من رجال الصحابة ، ثم أحاديث من عرفت أسماؤهن من الصحابيات ، ثم من عرفت كناهن ، ثم المبهمات من الصحابيات .

اعتمد على الحرف الأول فقط في ترتيبه الأبجدي لأسماء من يروي عنهم ، سواءا كانوا من الصحابة ، كما في معجمه الكبير ، أو من شيوخه كما في معجمه الأوسط ، فهو قد يقدم أنس رضي الله عنه على آبي اللحم رضي الله عنه ، على سبيل المثال ، رغم أن (آب) ، مقدمة على (أن) إذا أخذنا في الإعتبار الترتيب الأبجدي كاملا .

يرتب الطبراني  أحاديث معاجمه على الأبواب الفقهية أحيانا ، وليس دائما . 

 

الكتب التي ألفت في الأحاديث الضعيفة والمعلولة والموضوعة :

ومن أبرز الأمثلة عليها كتاب الأباطيل للجوزجاني  ، وإن كان ينازع في بعضها ، وكتاب الموضوعات لإبن الجوزي   وكتب العلل مثل العلل الكبير للترمذي  والعلل لأبي حاتم  والعلل للدارقطني  .

وقد قدم الشيخ أحمد شاكر  نبذة مختصرة ولكنها غير مخلة عن كتاب الموضوعات لإبن الجوزي  باعتباره من أهم الكتب التي ألفت في الأحاديث الموضوعة ومن أهم ما جاء فيها :

أن ابن الجوزي  أخذ غالب مادته العلمية من كتاب الأباطيل للجوزجاني  .

أن ابن الجوزي  أخطأ في أحاديث ذكرها في الموضوعات ، وقد انتقدها عليه الحفاظ ، ومن أبرز من تكلم في هذا ، الحافظ ابن حجر  حيث قال : (غالب ما في كتاب ابن الجوزي  موضوع ، والذي ينتقد عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد قليل جدا . وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعا ، عكس الضرر بمستدرك الحاكم  ، فإنه يظن ما ليس بصحيح صحيحا ، ويتعين الإعتناء بانتقاد الكتابين ، فإن الكتابين في تساهلهما عدم الإنتفاع بهما إلا لعالم بالفن ، لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه التساهل) .

وقد لخص السيوطي  الموضوعات في مصنف أسماه (اللآلي المصنوعة) ، وأفرد الأحاديث التي تعقبها الحفاظ   على ابن الجوزي  في مصنف آخر أسماه (ذيل اللآلي المصنوعة) ، وألف الحافظ  كتاب (القول المسدد في الذب عن المسند) ، ليرد ما ادعاه ابن الجوزي  من موضوعات في المسند ، وألف السيوطي  كتاب (القول الحسن في الذب عن السنن) ، ليرد ما ادعاه ابن الجوزي  من موضوعات في السنن الأربعة ، ومن غرائب تسرع ابن الجوزي ، أنه حكم على حديث في صحيح مسلم  بأنه موضوع وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : (إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته ، في أيديهم مثل أذناب البقر) ، وقد شدد الحافظ  النكير على ابن الجوزي  لحكمه هذا .

وممن تكلم عن منهج ابن الجوزي  في الموضوعات ، الشيخ سعد الحميد حفظه الله ، حيث قال بأن ابن الجوزي  يركز أساسا على نقد المتون في حكمه بالوضع على الحديث ، فإذا وجد في المتن نكارة ، فإنه يبحث عن علة يعل بها الحديث ، حتى لو تكلف هذا الأمر ، ويقول الشيخ الحميد حفظه الله بأن هذا المنهج منهج غير جيد عموما ، وإن كان جيدا في مواطن النكارة الشديدة كأن يخالف المتن معلوما من الدين بالضرورة كحديث : (أنا خاتم النبيين ، لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله) ، الذي وضعه محمد بن سعيد المصلوب عن أنس مرفوعا ، فزيادة (إلا أن يشاء الله) ، لا شك أنها موضوعة لأنها تخالف معلوما من الدين بالضرورة ، وأما مجرد استنكار بعض ألفاظ المتن ، فليس كافيا للحكم على الحديث بالوضع ، وذكر الشيخ حفظه الله ، مثالا لحكم من أحكام ابن الجوزي  الذي تكلف فيها وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا : (يكون في آخر أمتي أقوام يصبغون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة) وهذا الحديث صحيح وقد أخرجه أحمد وغيره ، وأما ابن الجوزي  فقد استنكر بعض ألفاظ المتن ، فتكلف إيجاد علة لهذا الحديث ، وأعله بوجود راو في سنده يدعى عبد الكريم فقال هو عبد الكريم بن أبي المخارق الضعيف والرد عليه من وجهين :

أن الراوي وإن كان ابن أبي المخارق ، فليس هذا كافيا للحكم على الحديث للوضع ، لأن الضعيف أحسن حالا من الكذاب أو المتهم بالكذب الذي يغلب على الظن أن حديثه موضوع .

أن عبد الكريم المذكور في سند الحديث هو عبد الكريم الجزري الثقة ، وقد عرف ذلك ، من معرفة شيوخ عبد الكريم بن أبي المخارق الضعيف ، وعبد الكريم الجزري الثقة ، وتلاميذهما ، فقد اشتركا في شيوخ رويا عنهم ، وتلاميذ يروون عنهما ، والناظر في سند هذا الحديث يتضح له أن عبد الكريم المذكور فيه ، يروي عن شيخ مشترك لهما ، ولكن الراوي عنه ، وهو عبيد الله بن عمر الرقي  ، لا يروي إلا عن عبد الكريم الجزري الثقة ، فعرف بذلك أنه الثقة ، ثم إنه قد وجد في بعض طرق الحديث ، عند أبي داود  ، وعند البيهقي  في كتاب الآداب ، وعند البغوي  في شرح السنة ، التصريح بأنه عبد الكريم الجزري الثقة ، فزال الإشكال بذلك .

             

 

وقد تكلم العلماء  عن أصح الأسانيد من وجهين :

الوجه الأول : الصحة المطلقة :

فقد حكم بعض العلماء  على بعض الأسانيد بأنها أصح الأسانيد مطلقا ومن الأمثلة على ذلك :

الزهري  عن سالم عن أبيه ، وقد روي ذلك عن إسحاق بن راهوية  وأحمد  .

ابن سيرين  عن عبيدة السلماني  عن علي رضي الله عنه ، وقد روي ذلك عن ابن المديني والفلاس .

الأعمش  عن إبراهيم  عن علقمة  عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وقد روي ذلك عن ابن معين  .

الزهري  عن علي بن الحسين  عن أبيه عن علي رضي الله عنه ، وقد روي ذلك عن أبي بكر بن أبي شيبة .

مالك  عن نافع  عن ابن عمر رضي الله عنه ، وقد روي ذلك عن البخاري  ، (تيسيرمصطلح الحديث ص37) .

 

الوجه الثاني : الصحة المقيدة :

كأن يقال مثلا بأن أصح الأسانيد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، إسماعيل بن أبي خالد  عن قيس بن أبي حازم  عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، دون أن يحكم له بالصحة المطلقة ، وهكذا بالنسبة لكل صحابي أو جهة ، وهذا هو الأولى .

وقد نبه الشيخ السعد حفظه الله إلى أهمية معرفة هذه الطرق ، حيث أنها تمكن طالب العلم من حفظ عدد كبير من الأحاديث الصحيحة التي تأتي من هذه الطرق ، وتمكنه من معرفة العلل ، لأن للأحاديث طرقا مسلوكة معروفة ، فإذا جاءت الأحاديث من

من غير هذه الطرق فهي مظنة وجود العلة ، (وأحيانا تكون هذه الطرق المشهورة دليلا على العلة ، ويقال عندئذ بأن الراوي "وهم وسلك الجادة") .

 

وأما بالنسبة للأحاديث الصحيحة فإن درجة صحتها تتفاوت تبعا لتمكنها من شروط الصحة :

فأصح الأحاديث ما كان متواترا ، وهي على درجات وأكثرها تواترا حديث : (من كذب علي متعمدا …) الحديث فقد رواه أكثر من ستين صحابيا ، وأورد الشيخان  جمعا من طرق هذا الحديث عن علي والزبير وأنس والمغيرة وأبي هريرة رضي الله عنهم وغيرهم ، وللطبراني  جزء جمع فيه طرق هذا الحديث وقد ساقها ابن الجوزي  في مقدمة كتابه (الموضوعات) .

 

ويليها ما تلقته الأمة بالقبول ولم يتواتر ، (أي ما صححه جمع من الحفاظ مثل ابن المديني ومسلم والبخاري  وأقرانهم ، فلا شك أنه أصح مما انفرد به الشيخان  ، وقد جمع الصحيحان أكثر هذا الحديث .

 

ويليها ما صححه الشيخان   .

 

ويليها ما رواه البخاري 

 

ويليها ما رواه مسلم  ، (وجدير بالذكر أن هذا التقسيم من حيث الجملة وإلا فقد توجد أسانيد خارج الصحيحين هي في الدرجة العليا من الصحة ، وقد توجد أسانيد داخل الصحيحين ولكنها دون الدرجة العليا من الصحة وهذا لا يعني أنها معلولة أو غير صحيحة ، وقد توجد أسانيد عند مسلم  أصح من بعض الأسانيد عند البخاري  ، فصحيح البخاري  أعلى من صحيح مسلم  بالجملة وليس هذا في كل حديث ، بل إن مسلم  علا عن شيخه البخاري في أربعين حديثا جمعها ابن حجر  في كتيب أسماه "عوالي مسلم" ، حجية السنة ص189 .

 

ويليها الأسانيد الصحيحة المشهورة .

 

ويليها الأسانيد الحسنة (على اعتبار أن الحسن مقبول عند جماهير أهل العلم وهو في الإحتجاج كالصحيح إلا إذا عارض ما هو أصح منه) .

وختاما ، كيف يمكن معرفة الصحيح ؟

أجاب الشيخ ابن عثيمين  على هذا السؤال إجابة مختصرة وافية فقال  :

يعرف الحديث الصحيح بأمور ثلاثة :

أن يكون في مصنف التزم فيه الصحة إذا كان مصنفه ممن يعتمد قوله في التصحيح كصحيحي البخاري ومسلم . (وذلك خلاف من تساهل في الحكم على الأحاديث بالصحة كالحاكم وابن حبان  أو أورد كل ما جاء في الباب دون أن يشترط الصحة كأبي الشيخ الأصبهاني  أو حذف أسانيد الأحاديث كالديلمي ) .

أن ينص على صحته إمام يعتمد قوله في التصحيح ولم يكن معروفا بالتساهل فيه ، (كما يفعل الترمذي  حين يحكم على الأحاديث في جامعه ، وإن كان بعض العلماء قد توقف في تصحيح الترمذي  كالحافظ الذهبي  ، كما سبق بيان ذلك) .

أن ينظر الناقد المؤهل في رواة الحديث وطريقة تخريجهم له ، فإذا تمت فيه شروط الصحة حكم بصحته .

 

الحديث الحسن :

أشهر تعاريف الحسن :

تعريف الخطابي  :

هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله ، وعليه مدار أكثر الحديث ، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ، ويستعمله عامة الفقهاء .

نقد التعريف :

لم يذكر الخطابي  انتفاء العلة أو الشذوذ ، وهذا يذكرنا بالخلاف الشهير بين المحدثين والفقهاء ، كما نبه إلى ذلك الحافظ الذهبي  بقوله : فإنَّ كثيراً من العِلَل يأبَوْنها ، أي الفقهاء .

قول الخطابي  (ما عرف مخرجه) ، ما معناه ؟

مخرج الحديث : هو الجزء من السند من جهة الصحابي ، لأن أول من يروي الحديث هو الصحابي ثم يرويه عنه التابعي وهكذا ، وبناءا على ذلك يوصف مخرج الحديث ، فيقال عن الحديث الذي رواه قتادة  عن أنس رضي الله عنه ، على سبيل المثال : حديث مخرجه بصري (نسبة إلى البصرة التي أقام فيها أنس رضي الله عنه ، وروى عنه قتادة  هذا الحديث فيها) ، ويعرف مخرج الحديث بإبراز رجاله ومعرفتهم ، وعليه فإن مقصود الخطابي  بقوله (ما عرف مخرجه) هو الإتصال ، وبهذا يخرج المرسل بهذا القيد (وبهذا يظهر أن الخطابي  أخرج الحسن لغيره من حد الحسن ، لأن المرسل قد يعتضد بآخر ليصل إلى درجة الحسن لغيره ، وعليه فتعريفه قاصر على الحسن لذاته فقط) . ولكن الصحيح والضعيف لا يخرجان لأنهما قد يوجدان بسند متصل .

قول الخطابي  (واشتهر رجاله) :

وبمقارنة شرط الخطابي  في رجال الحديث الحسن بشرطه في رجال الحديث الصحيح (حيث وصف رجال الحديث الصحيح بالعدالة) يتضح لنا أن الخطابي  أراد التنبيه على أن رجال الحسن أقل من رجال الصحيح (فالوصف بالشهرة أدنى من الوصف بالعدالة) .

ولكن ابن كثير  يعلق على هذه الجملة بقوله : فإن كان المعرف هو قوله : (ماعرف مخرجه واشتهر رجاله) فالحديث الصحيح كذلك ، بل والضعيف ، فالتعريف غير مانع ، فرجال الضعيف على سبيل المثال مشهورون بالضعف وسوء الحفظ .

قول الخطابي  (وعليه مدار أكثر الحديث) :

اعترض ابن كثير  على إطلاق لفظ (الحديث) في هذه الجملة ، لأن هذا يوهم أن الحسن أكثر من الصحيح والضعيف مجتمعين ، ولا شك أن هذا غير صحيح ، وعليه فلا بد من إضافة قيد (المقبول) للتعريف ، ليصبح : (وعليه مدار أكثر الحديث المقبول) ، فالمعنى هنا يستقيم ، لأن الحسن أكثر من الصحيح بلا شك .

 

قول الخطابي  (وهو الذي يقبله أكثر العلماء ، ويستعمله عامة الفقهاء) :

وهذا القول صحيح ، لأن أغلب الفقهاء والعلماء يحتجون بالحسن إلا إذا عارضه ما هو أقوى منه ، ولكن الإشكال في هذه الجملة ، أن فيها نوعا من الدوران (أي توقف الشيء على نفسه) ، لأن الخطابي  اشترط أن يقبله أكثر الفقهاء والعلماء حتى يكون حسنا ، ولكن الفقهاء والعلماء لن يقبلوه حتى يكون حسنا (فالدور هنا باطل بلا شك) .

 

تعريف ابن الجوزي  :

هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل ، ويصلح للعمل به  ، وهذا كما يقول ابن الصلاح  : مستبهم لا يشفي الغليل ، فدرجة الضعف هنا ليست محددة كما أن في قوله (ويصلح للعمل به) ، دورانا كما في تعريف الخطابي  ، وقد ذكر ابن الجوزي  تعريفه هذا في العلل المتناهية . 

 

تعريف ابن دحية  :

ما فيه ضعف قريب محتمل وهو دون الصحيح ولا يصل إلى درجة الضعيف ويكون راويه لا يصل إلى درجة العدالة ولا ينحط إلى درجة الفسق .

 

تعريف ابن القطان الفاسي  :

ما اختلف فيه بين التصحيح والتضعيف ، وقد سحب  هذا الوصف على راوي الحديث الحسن فأصل قاعدة : (إذا اختلف أهل العلم في توثيق راو أو جرحه فحديثه حسن) .

 

 

 

 

تعريف الترمذي  :

وقد سبق ذكره  في سياق التعريف بجامع الترمذي  ، ولكن ينبغي التنبيه هنا على أمرين في غاية الأهمية :

أن الترمذي  قصد تعريف الحسن لغيره فقط .

أن العلماء أثنوا على صنيع الترمذي  بتفريقه بين الشرطين الثاني والثالث في تعريفه فلا يكفي أن يرد الحديث من أكثر من وجه حتى يرتفع لدرجة الحسن لغيره فربما كانت هذه الطرق المتعددة معلولة (كأن يكون رواتها متهمين بالكذب) فهي لا تصلح للمتابعة فلا تتقوى ولا يتقوى بها ، وهذا ما يتضح أكثر عند مقارنته بتعريف ابن الصلاح  للحسن لغيره كما سيأتي إن شاء الله .

 

تعريف ابن الصلاح  :

وقد تصدى ابن الصلاح  لكلا نوعي الحسن عند تعريفه الحديث الحسن .

أولا : تعريف الحسن لغيره :

هو الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته ، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ ولا هو متهم بالكذب ، ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر ، فيخرج بذلك عن كونه شاذا أو منكرا .

 

نقد التعريف :

 

قول ابن الصلاح  : (مستور لم تتحقق أهليته) :

فقد ذكر ابن الصلاح  المستور كمثال لراوي الحديث الحسن لغيره ، أما الترمذي  فقد وضع حدا لراوي الحسن لغيره وهو (من لا يتهم بالكذب) ، فشمل لين الحفظ والمستور وغيرهم ممن يصل حديثهم لدرجة الحسن لغيره بتعدد الطرق ، فتعريفه شامل لكل أصناف رواة هذا النوع ، خلاف ابن الصلاح  الذي مثل بنوع واحد فقط من هؤلاء الرواة . ولكن يعتذر لإبن الصلاح  بقوله (لم تتحقق أهليته) ، فهذا القول قد يشمل كل أصناف رواة الحسن لغيره ويكون ابن الصلاح  قد ذكر الخاص ثم أتبعه بالعام ، والله أعلم .

 

قول ابن الصلاح  (غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ ولا هو متهم بالكذب) :

وهذا قيد حسن جدا ، لأن شديد الغفلة حديثه ضعيف جدا ، لا يرقى للحسن لغيره بتعدد الطرق (فكأن ابن الصلاح  ينبه هنا على المتروك بسبب سوء ضبطه) ، وكذا المتهم بالكذب حديثه لا يرقى للحسن لغيره بتعدد الطرق (فكأن ابن الصلاح  ينبه هنا على المتروك بسبب القدح في عدالته) .

 

قول ابن الصلاح  (ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر ، فيخرج بذلك عن كونه شاذا أو منكرا) :

وهنا تظهر ميزة أخرى لتعريف الترمذي  ، وهو أنه اشترط في طرق الحديث الحسن مع تعددها ، ألا تكون شاذة ففصل بين تعدد الأوجه والشذوذ ، بينما جعل ابن الصلاح  التعدد كافيا لزوال الشذوذ ، وهذا غير مسلم به ، كما سبق بيانه لأن هذه الطرق قد تكون كل واحدة منها شاذة إذا انفردت (فلا تتقوى ولا يتقوى بها) .

 

لم يشترط ابن الصلاح  اتصال السند ، وهذا حسن جدا ، لأن هذا يدخل الأحاديث المنقطعة في حد الحسن لغيره إذا تعددت طرقها الصالحة للمتابعة .

 

تعريف الحسن لذاته :

هو الحديث الذي يكون راويه من المشتهرين بالصدق والأمانة ، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان ، ولا يعد ما ينفرد به منكرا ، ولا يكون المتن شاذا ولا معللا ، وهذا التعريف هو أحسن تعريف للحسن لذاته بإشتراط الإتصال في سنده وحينئذ لا يحتاج إلى طريق أخرى ليتقوى بها .   

تعريف الحافظ الذهبي  :

الحَسَنُ ما ارتَقَى عن درجة الضعيف ، ولم يَبلغ درجةَ الصحة .

ومن التعاريف السابقة يمكن التمييز بين الحسن لذاته والحسن لغيره كالتالي :

الحسن لذاته لا يشترط فيه تعدد الطرق بينما يشترط ذلك في الحسن لغيره . فيحتج بالحسن لذاته مطلقا ، ولا يحتج بالحسن لغيره إلا إذا تعددت طرقه .

الحسن لذاته يشترط في راويه الضبط وإن كان فيه بعض الخفة ، بينما ضبط راوي الحسن لغيره أدنى من ضبط راوي الحسن لذاته ، حتى أنه يصل أحيانا لسوء الحفظ ولكن بشرط ألا يصل لوصف (سيء الحفظ جدا) لأنه في هذه الحالة يكون متروك الحديث ، وأما العدالة فهي شرط في كلا الراويين .  

ومما سبق يتضح لنا شدة الخلاف في تعريف الحسن وهذا يؤكد قول الحافظ الذهبي في الموقظة :

ثم لا تَطمَعْ بأنَّ للحسَنَ قاعدةً تندرجُ كلُ الأحاديثِ الحِسانِ فيها ، فأَنَا على إِياسٍ من ذلك ، فكم من حديث تردَّدَ فيه الحُفَّاظُ ، هل هو حسَنُ أو ضعيفُ أو صحيح ؟ بل الحافظُ الواحدُ يتغيَّرُ اجتهادُه في الحديث الواحد ، فيوماً يَصِفُه بالصحة ، ويوماً يَصِفُه بالحُسْن ، ولربما استَضعَفَه . وهذا حقٌّ ، فإنَّ الحديثَ الحَسَنَ يَستضعفه الحافظُ عن أن يُرَقِّيَه إلى مرتبةُ الصحيح ، فبهذا الاعتبارِ فيه ضَعْفٌ مَّا ، إذْ الحَسَنُ لا ينفك عن ضَعْفٍ مَّا ، ولو انفَكَّ عن ذلك لصَحَّ باتفاق ، وربما كان صنيع الذهبي رحمه الله في نقده لحديث الطير وإنكاره على الحاكم تصحيحه ، ثم توقفه بعد ذلك في الحكم على الحديث (لما هاله كثرة طرقه) ، خير مثال لتغير الإجتهاد الذي أشار إليه الذهبي آنفا .

ومما ينبغي التنبيه عليه هو أن التعاريف المتقدمة هي تعاريف اصطلاحية ، وضعها المتأخرون لحد الحسن ، وأما استعمال الحسن عند المتقدمين فقد أخذ صورا تختلف عن صور المتأخرين الإصطلاحية ومن أهم الأمثلة على استخدام المتقدمين للفظ الحسن :

استخدام ابراهيم النخعي  للفظ الحسن فقال  : (كانوا إذا اجتمعوا يكرهون أن يخرج أحدهم حسان حديثه) فاستخدمه  في هذا الموطن ليعبر عن الغرائب التي هي مظنة الكذب ، وهذا معنى مختلف تماما عن المعنى الإصطلاحي للحسن .

 

استخدام شعبة  لهذا اللفظ في وصف أحاديث عبد الملك بن أبي سليمان حيث قال  : (من حسنها فررت) وهذا استخدام مقارب لإستخدام إبراهيم  السابق  

 

وممن استخدم هذا اللفظ ، الشافعي  ، فوصف حديثا لمحمد بن يحيى بن حبان  عن واسع بن حبان عن ابن عمر رضي الله عنهما بأنه (حديث مسند حسن) ، وظاهر هذا اللفظ يوحي أن الشافعي  يحكم على الحديث بأنه صحيح وصالح للإحتجاج ، والله أعلم .

 

استخدام هذا اللفظ بمعنى حسن الإستدلال بالحديث في مسألة ما ، وقد ورد هذا في كلام أحمد  .

 

استخدامه بمعنى الحَسَن اللغويَّ لا الاصطلاحيَّ ، وهو إقبالُ النفوسِ وإصغاءُ الأسماعِ إلى حُسنِ مَتْنِه ، وجِزَالةِ لفظِه ، وما فيه من الثوابِ والخير ، فكثيرُ من المتون النبوية بهذه المثابة ، وقد اعترض ابنُ وهب  على هذا فقال : فعلى هذا يَلزمُ إطلاقُ الحَسَنِ على بعضَ  ( الموضوعات ) ولا قائل بهذا ، لأن الموضوعات تكون أحيانا جزلة اللفظ . وقد ذكر الذهبي  هذا القول في الموقظة . وممن استخدمه بهذا المعنى أبو موسى المديني  فقال عن حديث منع الأعمال الصالحة للعذاب عن العبد في القبر عند الطبراني  _وهو حديث ضعيف_(هذا حديث حسن) .

 

وقد استخدمه بعض الشافعية  بغير معناه الإصطلاحي فوصفوا بعض الروايات الصحيحة من الناحية الإصطلاحية بأنها حسنة .